نشر في أصوات

هل يمكن للصدمات أن تعجل بتحول رأس المال البشري والوظائف في تركيا؟

الصفحة متوفرة باللغة:
Displaced residents of Iskenderun district of Hatay. Photo: Tolga Ildun/ Shutterstock Displaced residents of Iskenderun district of Hatay. Photo: Tolga Ildun/ Shutterstock

في أعقاب الزلازل المدمرة التي ضربت جنوب تركيا في 6 فبراير/شباط، تلوح في الأفق مخاطر كبيرة لانعكاس مسار المكاسب التي تحققت في مجالي رأس المال البشري والحد من الفقر. فقد دُمرت المنازل، وضاعت الوظائف، وتعطل التعليم. ومع ذلك، فإن مثل هذه الصدمة تنطوي على إمكانية تسريع وتيرة رؤية تركيا لتكييف رأس المال البشري مع تغير المناخ والرقمنة والتحولات الاقتصادية والكوارث الطبيعية.

وضربت الزلازل منطقة كانت بالفعل عرضة للخطر. إذ تمتد الأقاليم الـ 11 الأكثر تضررا من الزلزال على مساحة جغرافية هائلة معظمها داخل البلاد. وتظهر البيانات الرسمية أن نصيب الفرد من الدخل السنوي بالمنطقة (حوالي 44 ألف ليرة تركية) يبلغ نحو نصف المتوسط الوطني (نحو 87 ألف ليرة تركية)، وأن مشاركة المرأة في القوى العاملة أقل بكثير (21٪ مقابل 33٪)، ومتوسط حجم الأسرة أكبر بكثير (4.5 مقابل 3.2 شخص). كما أن عدد سكان المنطقة أصغر سنا نسبيا، إذ يضم نحو 3.4 مليون طفل في سن 14 عاما وما دونها، وتبلغ نسبة إعالة الشباب نحو 55٪، أي ما يعادل تقريبا ضعف المتوسط الوطني. وقد تقع الأسر الفقيرة، البالغ عددها 1.5 مليون أسرة في المنطقة المتضررة قبل الزلزال، بدرجة أعمق في براثن الفقر، في حين تزداد مواطن الضعف بين المعدمين المشردين.

ولا يمكن تقدير حجم الأضرار بأكبر مما هو عليه. فهناك أكثر من 4 ملايين شخص إما يقيمون في ملاجئ في المقاطعات المتضررة أو تم إجلاؤهم. وتقدر الأضرار المادية المباشرة  وحدها بأكثر من 34 مليار دولار، باستثناء التكاليف الاقتصادية. ومع انهيار المساكن والرعاية الصحية والمدارس وفقدان سبل كسب العيش، ترتفع مخاطر العوز والآثار الشديدة الطويلة الأمد، لاسيما بين الفئات الضعيفة مثل النساء ذوات الدخل المنخفض والأطفال والمسنين واللاجئين.

ونحن نعلم من تحليلنا الأخير عن رأس المال البشري، تركيا في المرحلة الانتقالية:الجيل التالي من استثمارات رأس المال البشري من أجل وظائف شاملة للجميع، أن وظيفة واحدة من كل ثلاث وظائف في البلاد كانت غير رسمية. وكان احتمال اللجوء إلى التأمينات الاجتماعية أو المدخرات أو الأصول ضئيلا بالنسبة للعديد من الأسر المعيشية البالغ عددها ثلاثة ملايين أسرة تعيش في الأقاليم التي ضربها الزلزال. وعلى الرغم من الجهود الجديرة بالثناء على صعيد السياسات، فإن التأمينات الاجتماعية لا تغطي سوى أسرة واحدة فقط من بين كل أربع أسر معيشية من الأسر الأقل دخلا، وأقل من 1٪ من خلال برامج سوق العمل النشطة، مثل خدمات التوظيف العامة. ولم يتضح بعد حجم الآثار على الأطفال والأسر والعمال المتضررين بشكل مباشر أو غير مباشر. وستساعد حزمة المساندة الاجتماعية الطارئة التي قدمتها الحكومة من التحويلات النقدية ودعم الإسكان وحماية العمالة التي تم تنفيذها في أعقاب الزلازل على وقف بعض هذه الآثار للمشمولين، وذلك بالبناء على برامج الحماية الاجتماعية والعمل القائمة في البلاد منذ وقت طويل.

turkiye-social-protection-ar
المصدر: تقديرات خبراء البنك الدولي باستخدام مسوح ميزانية الأسر المعيشية في تركيا، والمعهد الوطني للإحصاء التركي، كما ورد في مؤشرات التنمية وقاعدة بيانات المشروع.

وكما هو مبين في التقرير، فإن الاستثمار في الجيل القادم من رأس المال البشري والوظائف التحويلية عنصران أساسيان لتعميق النمو الأخضر الشامل للجميع في تركيا، لاسيما من أجل التعافي بعد الكوارث. وسيعني ذلك تنشيط نهج الحكومة بأكملها من أجل استثمارات رأس المال البشري الأكثر مراعاة للبيئة والرقمية والأكثر ابتكارا بثلاث طرق:

  1. من الممكن أن يؤدي تنسيق المنافع وتوسيع نطاق الخدمات الإلكترونية المشتركة بين الوكالات للحماية الاجتماعية والعمل إلى تسريع وتيرة حصول الفئات الأكثر احتياجا على الخدمات ولدى الحكومة نظام راسخ للحكومة الإلكترونية يدعم عدة خدمات. ومن شأن مواءمة المنافع والأهلية وتبادل البيانات والاستثمار في زيادة قابلية التشغيل البيني أن يسهل الإدارة الشاملة للحالات، من رعاية الأطفال إلى انتقال العمالة إلى دعم المسنين. ويظهر التحليل أن الزيادة الحدية في الاستثمارات بنسبة نقطة إلى نقطتين مئويتين من إجمالي الناتج المحلي يمكن أن تساعد في تعميم الخدمات على البرامج المصممة خصيصا، مما يدعم القوة الشرائية طويلة الأجل والنمو الشامل للجميع في أعقاب الصدمات. 
  2. يمكن تعزيز إعادة تصور المهارات والإنتاجية للوظائف الجديدة من خلال الاستثمار المؤثر المستند إلى النتائج بالاشتراك مع القطاع الخاص ويمكن أن يؤدي توسيع وتحديث المهارات وخدمات إعادة التدريب من خلال التكنولوجيا إلى تعزيز الاستثمارات في البنية التحتية الخضراء، وتوسيع نطاق الفرص التجارية غير المستغلة، وتحسين إنتاجية الخدمات والزراعة. 
  3. يمكن لتعبئة استثمارات ذكية للجيل القادم من الوظائف الخضراء أن تساند تعافيا أعلى جودة للفئات الأكثر احتياجا. ويمكن أن يؤدي التركيز على القطاعات الإستراتيجية والشركات وتوسيع نطاق برامج ريادة الأعمال والعمل التي تقوم بها النساء والشباب لأول مرة إلى إطلاق الإمكانات التي قد تتأخر فيها الاستثمارات لكن العائدات مرتفعة.

وقد تكون الاحتياجات هائلة، لكن الاستثمار المؤثر يمكن أن يركز بشكل إستراتيجي على الإنفاق والسياسات من أجل رأس المال البشري الديناميكي والوظائف. فالقيام بذلك سينشط المجتمعات المحلية في الأقاليم المتضررة بالزلازل بتركيا بما يعزز إعادة الإعمار. وسيبين كيفية تسريع وتيرة انتقال رأس المال البشري إلى ما بعد الصدمات إلى اقتصاد أخضر رقمي قادر على الصمود مع وجود أشخاص في الصدارة.


بقلم

هبة الجزار

رئيسة برنامج التنمية البشرية

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000