نشر في أصوات

الشرق الأوسط، إصدار 2.0

الصفحة متوفرة باللغة:
Image


دعونا نكون صادقين. الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحترق، وفي بعض المناطق يحترق حرفيا. فالصراع والهشاشة يشوهان منذ وقت بعيد ما كان في الماضي يشكل مهد الحضارة والإلهام لكثير من الاختراعات التي لا نستطيع العيش بدونها اليوم. بيد أنه في خضم تلك النيران يبزغ شعاع أمل هو المحرك والدافع لتغيير يحوّل الواقع القبيح إلى مستقبل مشرق.

بعد أن فررت من الحرب في العراق عام 2006، كنت متشائما بشأن ما كان يحمله المستقبل لتلك المنطقة. وعاما بعد الآخر، أصبح التأثير المتسلسل للانهيار حقيقة واقعة تشكّل المنطقة وشعوبها. ومع ذلك، ومع التقدم سريعا إلى عام 2017، فإني أشهد ما لم أتخيل مطلقا أن أراه في حياتي: النهضة الجديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

عدت مؤخرا من المنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البحر الميت بالأردن. وفي هذا العام، اشترك المنتدى ومؤسسة التمويل الدولية، ذراع مجموعة البنك الدولي لمساندة القطاع الخاص، في جمع 100 شركة عربية ناشئة تشكل الثورة الصناعية الرابعة.

هناك، كان الشعور الإيجابي منتشر في كل مكان. لم يكن هناك أي تشاؤم أو سلبية على الإطلاق، بل شعور جديد بالتفاؤل والحماس والنهم للتغيير، والإرادة لنقل المنطقة إلى مستقبل جديد كليا بعيدا عن الصراع والإحساس السائد حاليا بالتشاؤم.

شباب ومثابرون

خلال المؤتمر، كنت محاطا بالشباب الذين كانت أفكارهم الناشئة تتسم بالثورية. وحين تحدثت معهم، أدركت أنهم القادة الحقيقيون للإيجابية في المنطقة. إنهم هم من يجلبون التغيير.

Imageخذ على سبيل المثال شارلي الخوري، 24 عاما، وهو من لبنان، إذ جاءته فكرة الشركة الناشئة التي شارك في تأسيسها، NAR، بعد اندلاع حريق! كما يشير اسم الشركة "نار"، ففي عام 2014، شب حريق ضخم في غابة مجاورة لإحدى ضواحي بيروت. وتساءل عما إذا كان يمكن لطائرة بدون طيار أن تساعد رجال الإطفاء على تتبع الحريق، والتنبؤ بمساره، وإخماده بسرعة أكبر. وحينئذ نقل شارلي وشريكه نيكولا زعتر، زميله بالجامعة اللبنانية الأميركية، هذه الفكرة إلى المستوى التالي وأسسا شركة "نار".

وهناك أيضا مثال آخر سنا حواصلي، وهي من سوريا، التي شاركت في إنشاء شركة دارَتي Daraty، وهي شركة ناشئة صممت مجموعة أدوات برمجة متصلة بأحد تطبيقات الهاتف المحمول وذلك لتعليم الأطفال مبادئ الإلكترونيات دون الحاجة إلى إشراف الخبراء. وتفاديا لما يواجهه بلدهما من تحديات، نشأت الشركة الجديدة التي أسستها مع شريكها الحسن محمد علي كوسيلة لجعل تعلم الإلكترونيات بسيطا قدر الإمكان.
 
في مدينة رام الله الفلسطينية، أسس أيمن عرندي شركة آيرس للحلول التفاعلية، وهي شركة ناشئة متخصصة في التكنولوجيا التفاعلية. وتصمم الشركة وتنفذ غرفا حسّية - غرف استرخاء مع الأضواء والموسيقى والصور المرئية التي يمكن أن تزيد من الشعور بالسعادة وتخفض الإحساس بالتوتر. وحتى الآن، قامت الشركة بتركيب 50 من تلك الغرف في الضفة الغربية وذلك لخدمة أكثر من 10 آلاف طفل وبالغ في المدارس والمستشفيات. ومن بين المستفيدين بها الأطفال المصابون Imageبالتوحد، واضطرابات ما بعد الصدمة، واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، والإعاقة. وأحدث مشروعات الشركة هو تصميم غرف فريدة في مستشفى فلسطيني حكومي، وذلك لخدمة الأطفال الذين يعانون من حروق شديدة في الجلد.

على بعد مئات الأميال في مدينة دبي، توجد شابة من لبنان لديها رسالة هي مساعدة العاملين غير المتفرغين بالمنطقة على العثور على عمل يناسب مهاراتهم وشغفهم. ولتحقيق هذه الرسالة، أسست لولو خازن باز، 35 عاما، نبش.كوم. ويستخدم حوالي 100 ألف شخص هذه المنصة حاليا بحثا عن عمل مع شركات مثل آي بي إم وجنرال الكتريك وعشرات غيرهما. 

محركات خلق فرص العمل

مع استمرار معدلات البطالة على ارتفاعها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن الهدف الطموح الذي يتمثل في استيعاب العاطلين عن العمل بالإضافة إلى الداخلين الجدد إلى السوق يعني ضرورة خلق ما يقارب 100 مليون وظيفة بحلول عام 2020، وفقا للبنك الدولي.

وتعاني المنطقة منذ فترة طويلة من أجل توليد ما يكفي من فرص العمل الجيدة لقوتها العاملة الضخمة والمتعلمة بشكل متزايد، ولكن هذا الوضع يمكن أن يتحسن، إذ يبرز تقرير للبنك الدولي الدور المحوري لتعزيز المنافسة في تحفيز نمو القطاع الخاص. ويؤكد على أن الشركات الحديثة والمنتجة تولد فرص عمل في اقتصاد بلدان المنطقة. 

وفي هذا الصدد، قال فادي غندور، الرئيس التنفيذي لومضة "إن ريادة الأعمال أمر حيوي لخلق اقتصاد نابض بالنشاط للقرن الحادي والعشرين... ولا يمكن للحكومة وحدها أن تفعل ذلك.  وتواجه الشركات التقليدية تحديات. فإذا كنت ترغب في خلق وظائف في العالم العربي، إذا كنت تريد الابتكار، فإنك تحتاج إلى رواد الأعمال".

وأضاف مشددا على أن "هذا هو المستقبل".

​نحن الشرق الأوسط، ولكن ...



حين كنت أتأهب للعودة إلى المطار في عمّان أمسكت بهاتفي الذكي وطلبت سيارة أجرة من خلال تطبيق أوبر! لم أكن أعتقد أنني سأستخدم في عمّان هذا التطبيق الإلكتروني نفسه الذي استخدمه هنا في واشنطن. لكني أدركت أنها ليست فقط عمّان وليست فقط أوبر. فهو منتشر في جميع أنحاء المنطقة الآن.

من تطبيق أجرة في بغداد إلى كريم بالإمارات، تعمل الثورة الصناعية الرابعة على إحداث ثورة في الأسلوب الذي ينظر به سكان الشرق الأوسط إلى حاضرهم ومستقبلهم.  ويسمح لهم ذلك بالتغلب على العديد من التحديات التي مازالوا يواجهونها ويتيح لهم أن يقولوا "نحن الشرق الأوسط، ولكن إصدار 2.0.!" 

تابع الكاتب على تويتر bsebti@.


بقلم

بسّام سبتي

محرر الموقع الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي باللغة العربية، مؤسسة التمويل الدولية

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000