نشر في أصوات

ثلاثة دروس مستفادة من تنفيذ برنامج رقمي للأهل في مجال التربية

الصفحة متوفرة باللغة:
ثلاثة دروس مستفادة من تنفيذ برنامج رقمي للأهل في مجال التربية

لا يزال العنف ضد الأطفال أحد أكثر أشكال العنف انتشارًا على مستوى العالم، ومع ذلك يُنظر إليه في كثير من الأحيان على أنه أمر طبيعي. وقد أظهرت برامج التربية التي تعزز "التأديب الإيجابي" نتائج واعدة في الحد من أساليب العقاب القاسي وتحسين مخرجات نمو الطفل. ومع ذلك، فإن معظم “برامج التربية القائمة على الأدلة" تعتمد على الحضور الشخصي، وهو أمر مكلف ويصعب تعميمه على نطاق واسع. ومع الانتشار المتزايد للتكنولوجيات الرقمية، يبحث العديد من الباحثين وواضعي السياسات إمكانية تقديم هذه البرامج رقميًا من دون أن يؤثر ذلك على فعاليتها.

في ورقة بحثية حديثة بعنوان "التأديب العنيف وسلوك الوالدين: الآثار القصيرة والمتوسطة الأجل لبرامج دعم التربية الرقمية لمقدّمي الرعاية"، والتي قُبلت للنشر في (Journal of Public Economics)، قمت بالتعاون مع زملائي بتقييم مدى قدرة التقنيات الرقمية على جعل “برامج التربية القائمة على الأدلة” أكثر قابلية للتوسع دون المساس بفعاليتها.

وتحقيقا لهذا الغرض، قمنا بتعديل برنامج جامايكي لتدريب الآباء والأمهات كان يُقدَّم حضوريًا ومعروف بإسم (Irie Homes Toolbox) ليصبح متاحاً عبر المنصات الرقمية. وقد طُوِّر هذا البرنامج في الأصل للوقاية من العنف ضد الأطفال من خلال تقنيات تغيير السلوك ويستهدف مقدمي الرعاية للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين وست سنوات.

وتضمنت نسخة البرنامج الرقمية التي خضعت للتقييم ثلاثة مكونات أساسية: أولا، مقدمو الرعاية ثلاث رسائل نصية قصيرة أسبوعيا تحتوي على نصائح تربوية بسيطة وتذكيرات حول أساليب التأديب الإيجابي. ثانيا، أتيح للمشاركين إمكانية الوصول إلى تطبيق للهواتف المحمولة لا يستهلك بيانات الإنترنت يتضمن مقاطع فيديو قصيرة ومحتوى إضافي لتعزيز أساليب التربية المذكورة. ثالثا، تمت دعوة مقدمي الرعاية للمشاركة في لقاءات جماعية أسبوعية عبر الإنترنت بقيادة ميسرين مدربين من لجنة الطفولة المبكرة في جامايكا.  ولتقييم الأثر، أجرينا تجربة عشوائية محكومة شملت أكثر من 1100 من مقدمي الرعاية لأطفال تتراوح أعمارهم بين عامين وستة أعوام في جميع أنحاء جامايكا.

جاءت النتائج مبشرة للغاية؛ فقد أظهر مقدمو الرعاية الذين شاركوا في برنامج التربية الوالدية الرقمي تحسنًا ملحوظًا في مواقفهم تجاه العنف ضد الأطفال، وانخفض استخدامهم لممارسات التأديب العنيف. ولم تكن هذه التغيرات السلوكية مؤقته، إذ استمرت هذه التغيرات السلوكية حتى بعد مرور تسعة أشهر على انتهاء البرنامج. كما ساعد هذا الإجراء التدخلي أيضا على تحسين معارف مقدمي الرعاية في مجال التربية وتعزيز ثقتهم في قدراتهم، مما يشير إلى أن البرنامج ساعد الآباء والأمهات على الشعور بأنهم أكثر قدرة على التعامل مع المواقف الصعبة مع أطفالهم.

ولكن بدلا من التركيز على نتائج الإجراء التدخلي الذي نُفِّذ عام 2021، أودّ التوقف عند ثلاثة تحديات واجهناها خلال الدراسة. وتُبرز هذه التحديات بعض الفجوات المستمرة بين الوعود التي تحملها التدخلات الرقمية والواقع العملي لتطبيقها على نطاق واسع. كما تُشير إلى المجالات التي يمكن أن تساعد فيها  التكنولوجيات الجديدة (بما فيها الذكاء الاصطناعي) في معالجة الحواجز القائمة بعد مرور خمس سنوات، بينما تطرح في الوقت نفسه تساؤلات جديدة أمام الباحثين وصنّاع السياسات.

التحدي الأول: التكنولوجيا لا تعني بالضرورة استخدامها

كان أحد مكونات التدخل عبارة عن تطبيق للهواتف المحمولة لا يستهلك بيانات الإنترنت، صُمم ليكمل المحتوى الذي يُقدَّم عبر المكونين الآخرين. وتضمن التطبيق مقاطع فيديو تُوضِّح أساليب التربية الإيجابية ومواد إضافية يُمكن لمقدمي الرعاية الوصول إليها في أي وقت.

من منظور التصميم، بدا التطبيق مثاليًا. فقد عالج العديد من العوائق التي غالبا ما تحد من الإجراءات التدخلية الرقمية في البيئات ذات الموارد المحدودة. ولأن التطبيق يستهلك بيانات الإنترنت، كان بإمكان مقدمي الرعاية استخدامه دون استهلاك رصيد البيانات، وهي ميزة بالغة الأهمية في البيئات التي لا تزال فيها تكلفة الاتصال مرتفعة. كان المحتوى موجزا ​​وجذابا من الناحية البصرية. وكان بإمكان الآباء والأمهات العودة لزيارة المواد وقتما يشاءون، مما يسمح لهم بتعزيز الدروس المستفادة من الرسائل النصية القصيرة والجلسات عبر الإنترنت.

والأهم من ذلك، أن التطبيق، بعد تطويره، لم يُكلّف المستخدم الواحد أي تكلفة إضافية تُذكر. وإذا تم اعتماده على نطاق واسع، فإنه سيُساهم بشكل كبير في توسيع نطاق برامج التربية الأسرية.

لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا: 10% فقط من المشاركين فتحوا التطبيق مرة واحدة على الأقل، ومن بين أولئك الذين استخدموه، لم يتجاوز متوسط استخدامهم سبع دقائق طوال فترة البرنامج التي امتدت 12 أسبوعا. وكانت هذه الأرقام لافتة للنظر، لا سيما وأن المشاركين كانوا قد أعربوا بالفعل عن اهتمامهم بالبرنامج من خلال التسجيل في الدراسة. فما هو تفسير ندرة استخدام مقدمي الرعاية لأداة صُممت لمساعدتهم، رغم حماسهم للتسجيل في برنامجها؟

لفهم هذا اللغز بشكل أفضل، أجرينا نقاشات جماعية مركزة مع مقدمي الرعاية بعد انتهاء البرنامج. وكشفت هذه المناقشات عن العديد من الأفكار حول كيفية إدراك المشاركين للأدوات الرقمية التي قدمناها وكيفية تفاعلهم معها.

أولًا، أشار مقدمو الرعاية إلى الصعوبات البسيطة، وإن كانت ذات أهمية، المرتبطة بتسجيل الدخول إلى التطبيق. فقد بدت أمور مثل تذكر كلمات المرور أو استعادة بيانات تسجيل الدخول أو التنقل بين واجهات غير مألوفة، تفاصيل بسيطة، لكنها في الواقع تُشكل عائقًا أمام الآباء والأمهات المنشغلين بالتوفيق بين العمل ورعاية الأطفال والمسؤوليات المنزلية.

ثانيًا، وربما الأهم، أن مقدمي الرعاية لم ينظروا إلى قنوات تقديم المحتوى المختلفة على أنها مكملة لبعضها البعض، بل اعتبروها بدائل. وبما أنهم كانوا يتلقون بالفعل نصائح تربوية عبر الرسائل النصية، فقد شعر العديد منهم أن فتح التطبيق أمر غير ضروري. فالرسائل النصية كانت بسيطة وفورية ولا تتطلب أي مجهود إضافي. ومن وجهة نظرهم، قد حصلوا على المعلومات الأساسية.

تُسلط هذه التجربة الضوء على درس أوسع، وهو أن التدخلات الرقمية غالبا ما تقلل من أهمية سلوكيات المستخدمين وتفضيلاتهم. فتصميم تطبيق سهل الاستخدام لا يضمن بالضرورة أن الناس سيستخدمونه.

لا يقتصر تحدي ضعف الإقبال على برامج التربية؛ فقد واجهت العديد من تدخلات تكنولوجيا التعليم تحديات مماثلة خلال العقد الماضي. فبرغم التقدم السريع في الأدوات الرقمية، يظل تفاعل المستخدمين عائقًا متكررا.

وتزداد أهمية هذا التحدي مع توجه مجتمع التنمية بشكل متزايد نحو حلول مدعومة بالذكاء الاصطناعي. فمن المدرسين الافتراضيين إلى روبوتات الدردشة الخاصة بالصحة النفسية، تعد العديد من الإجراءات التدخلية بتقديم خدمات مخصصة على نطاق واسع. لكن هذه التقنيات لا يمكن أن تحقق أثرا إلا إذا تبناها المستخدمون وتفاعلوا معها.

وتؤكد أطر التقييم الحديثة لتدخلات الذكاء الاصطناعي، مثل هذا الإطار الذي طوره صندوق الوكالة، على أهمية اختبار ليس فقط ما إذا كانت التكنولوجيا ناجحة من حيث المبدأ أم لا، بل أيضًا ما إذا كان الناس يستخدمونها فعليًا في الواقع. لذا، تُعد التقييمات التي تركز على التبني والتفاعل (المستويان الثاني والثالث) بالغة الأهمية قبل نشر التقنيات على نطاق واسع.

وتشير تجربتنا مع تطبيق التربية إلى أن فهم كيفية تفاعل المستخدمين مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية قد يكون بنفس أهمية التكنولوجيا نفسها.

التحدي الثاني: قياس العنف ضد الأطفال

يتمثل التحدي الثاني في قياس العنف ضد الأطفال، وهو أمر حساس بطبيعته ويصعب رصده. في دراستنا، تعتمد النتائج الأولية على تقارير مقدمي الرعاية الذاتية حول سلوكياتهم التربوية. ويثير هذا النهج قلقًا واضحًا: فقد يغيّر الآباء والأمهات إجاباتهم ليبدو سلوكهم أكثر قبولًا اجتماعيًا عندما يعلمون أنهم يشاركون في دراسة حول ممارسات التربية.

وقد أُثير هذا القلق مرارا أثناء عملية مراجعة الأقران لورقتنا البحثية. فإذا شعر مقدمو الرعاية في المجموعة التجريبية أن الباحثين يتوقعون منهم الحد من استخدام العنف في التأديب، فقد يُبلغون عن تحسنات حتى لو لم يتغير سلوكهم.

ولمعالجة هذا، أجرينا عدة اختبارات للتحقق مما إذا كان تأثير أي من طلب التجارب أو التحيز للرغبة الاجتماعية يقدم تفسيراً لما وصلنا إليه من نتائج. وتمثلت إحدى الطرق في وضع مؤشر يرصد ميل كل مشارك إلى تقديم الإجابات المحبذة اجتماعيا. ثم درسنا ما إذا كانت آثار البرنامج تختلف بين مقدمي الرعاية ذوي الميول العالية والمنخفضة لإعطاء هذه الإجابات المحبذة اجتماعيا. فلو كان التحيز للرغبة الاجتماعية هو ما يؤثر على النتائج، لتوقعنا تأثيرات أقوى بين المشاركين ذوي الميل العالية لتقديم إجابات محبذة اجتماعيًا. غير أننا لم نجد دليلًا على مثل هذه الأنماط.

ومع ذلك، لا يزال قياس العنف ضد الأطفال يُمثل تحديًا مستمرًا، فالبدائل محدودة. كما أنه لا يمكن أن يُسأل الأطفال الصغار مباشرةً عن تجاربهم عندما تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات. بينما أن الملاحظة الخارجية قد تنتج عنها تحيزات خاصة، حيث قد يقوم مقدمو الرعاية بتغيير سلوكهم عندما يعلمون أنهم تحت المراقبة.

لذلك، فإن تطوير أدوات أفضل لقياس النتائج الحساسة مثل العنف يظل مجالًا بحثيًا مهمًا. وقد تساعد التقنيات الحديثة مستقبلًا في معالجة بعض هذه التحديات. فعلى سبيل المثال، نستكشف مع بعض الزملاء إمكانية استخدام أدوات رؤية الحاسوب لرصد علامات الضيق النفسي أو التعرض للإيذاء لدى المراهقين من خلال تعابير الوجه أو الأنماط السلوكية. ولا تزال هذه التقنيات في مراحلها الأولى وتتطلب تجارب مكثفة واختبارات واسعة للتحقق من فعاليتها. إلا أنها تُبيّن كيف يُمكن للتقدم في الذكاء الاصطناعي وأدوات الاستشعار الرقمي أن يُكمّلوا أساليب المسح التقليدية في المستقبل.

التحدي الثالث: جمع المؤشرات البيولوجية للتوتر

برز تحدٍ ثالث عندما حاولنا قياس مستوى الإجهاد لدى مقدمي الرعاية (وهو أحد النتائج الثانوية) باستخدام هرمون الكورتيزول في اللعاب، وهو مؤشر بيولوجي يُستخدم على نطاق واسع في الأبحاث المتعلقة بالإجهاد والصحة النفسية.

يمكن للمؤشرات البيولوجية أن توفر أدلة موضوعية قيّمة تُكمّل مقاييس الصحة النفسية التي تعتمد على ما يتم الأفصاح عنه من قبل الشخص نفسه. في دراستنا، كنا نأمل أن تُسهم مستويات الكورتيزول في التحقق من صحة المقاييس المستندة إلى الاستبيانات لقياس الضيق النفسي و التوتر لدى مقدمي. غير أن إدماج المؤشرات البيولوجية في التجارب الميدانية قد يكون بالغ الصعوبة.

العقبة الأولى هي التكلفة. إذ يتطلب تحليل عينات الكورتيزول إجراء فحوصات مخبرية واستخدام معدات متخصصة. وقد تمكّنا من تنفيذ هذا الجزء من الدراسة بفضل الدعم الذي قدمه صندوق تقييم الأثر الاستراتيجي (SIEF) التابع للبنك الدولي. ولكن حتى مع تأمين التمويل، تبيّن أن التنفيذ صعب. فقد قدمنا تعويضات مالية للمشاركين مقابل وقتهم وتكاليف تنقلّهم، وتعاونّا مع شبكة شبكة مختبرات في جميع أنحاء جامايكا لتسهيل جمع العينات، كما نشرنا مختبرات متنقلة لجعل المشاركة أكثر سهولة. ورغم هذه الجهود، لم نتمكن في نهاية المطاف إلا من جمع عينات من أقل من 15% من المشاركين الذين تم اختيارهم لهذا الجزء من الدراسة.

كان أحد أبرز المعوقات هو الالتزام الصارم بمواعيد جمع عينات الكورتيزول. ولضمان قابلية المقارنة بين المشاركين، كان يجب جمع العينات في وقت مبكر من الصباح، عادةً نحو الساعة السابعة صباحًا. وبالنسبة للعديد من مقدمي الرعاية (وللبالغين بشكل عام)، يتزامن هذا التوقيت مع أوقات الذروة، حيث يكونون في طريقهم إلى العمل أو يُجهّزون أطفالهم للذهاب للمدارس. إضافةً إلى ذلك، قد يشعر بعض المشاركين بأن تقديم عينات بيولوجية أمر تدخلي. حتى عندما يثق المشاركون بالباحثين، فإن فكرة جمع عينات بيولوجية قد تُثير المخاوف أو تتسبب بالشعور بعدم الارتياح. تُبيّن هذه التحديات العقبات اللوجستية المرتبطة بإدماج المؤشرات الحيوية في تقييمات الأثر واسعة النطاق.

ومرة أخرى، قد توفر التكنولوجيات الناشئة بدائل محتملة. فعلى سبيل المثال، نستكشف مع بعض الزملاء ما إذا كان بإمكان المؤشرات الحيوية الصوتية المساعدة في تشخيص حالات الصحة النفسية مثل التوتر أو القلق أو الاكتئاب. ومن خلال تحليل أنماط الصوت عبر تسجيلات صوتية قصيرة، قد توفر هذه الأدوات إشارات تشخيصية منخفضة التكلفة دون الحاجة إلى عينات بيولوجية، وبشكل يمكن استخدامه بصورة موثوقة في سياقات السياسات العامة.

نظرة إلى المستقبل

تعمل الأدوات الرقمية على إحداث تحول سريع في كيفية تنفيذ برامج التنمية وتقييمها. فبرامج التوعية الأسرية، وبرامج الصحة النفسية، والمبادرات التعليمية تعتمد بشكل متزايد على الهواتف المحمولة والتطبيقات وتقنيات الذكاء الاصطناعي الناشئة للوصول إلى شرائح واسعة من السكان بتكلفة منخفضة. غير أن تجربتنا في تنفيذ هذا التدخل الرقمي في مجال التربية تُبرز درسًا مهمًا: التكنولوجيا وحدها لا تحل تحديات التنفيذ.

فضمان تبنّي المستخدمين للأدوات الرقمية، وتحسين قياس النتائج الحساسة، وتطوير أساليب قابلة للتطبيق على نطاق واسع لتقييم الرفاه، تظل جميعها أولويات أساسية للبحوث المستقبلية. ومع استمرار تزايد الحماس حول الذكاء الاصطناعي، سيكون من الضروري إجراء تجارب دقيقة وتقييمات متأنية لضمان أن ترجمة الابتكار التكنولوجي إلى تحسينات ملموسة في حياة الناس.

 


انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000