هل يمكن للعراق أن يتعلم من الماضي ليصيغ مستقبلاً أفضل؟

|

الصفحة متوفرة باللغة

الجزء الأول: الدروس المستفادة من فترة السلام النسبي

Flickr/Creative Commons/ Dave Malkoff - Children in a squatter camp in Baghdad, Iraq يشهد العراق مزيجا من الصراع والهشاشة طوال العقود الثلاثة الماضية، وشهد أنواعا مختلفة للصراع: التمرد الداخلي، والحرب الدولية، والحرب الطائفية، والإرهاب، والتشرذم الداخلي، وانتشار آثار الصراع من بلدان أخرى. ومع ظهورأزمة أخرى، فهل يفيد الماضي القريب الذي اتسم باستقرار نسبي في استخلاص دروس للمستقبل؟
ويقدم تقرير جديد لمجموعة البنك الدولي صدر اليوم في بغداد أول تحليل عميق للتطورات الاجتماعية والاقتصادية بالعراق بين عامي 2007 و2012، وهي فترة تميزت بالانتعاش في قطاع النفط، وارتفاع العائدات النفطية ارتفاعا كبيرا، وجهود مكثفة من قبل الحكومة لتلبية الطموحات الكبيرة للمواطنين.  وقد أعقب تشكيل حكومة مدنية منتخبة في سنة 2005/2006 فترة من النمو الاقتصادي القوي واستقرار نسبي كان يمكن أن يمهدا الطريق لنمو شامل.
 
ومع ذلك فقد كان تأثير النمو الإقتصادي القوي على معدلات الفقر متواضعاً. . ففي عام 2012، كان 20%من العراقيين ينفقون أقل من المبلغ المطلوب لتلبية احتياجاتهم الدنيا من التغذية وتغطية احتياجاتهم الأساسية الأخرى غير الغذائية كالملابس والمسكن. وكان هناك عدد أكبر يعيش قرب خط الفقر، معرضين لزيادة الأسعار وفقدان الأصول وموارد الرزق، وهو بالضبط نوع الاختلال الذي يواجهونه حاليا.
 
ويصاحب الفقر الحرمان أيضا في كثير من جوانب حياة العراقيين. حيث أن ما يقرب من نصف السكان في العراق البالغ عددهم نحو 34 مليون نسمة حاصلين على تعليم أقل من مستوى المرحلة الابتدائية؛ وما يقرب من ثلث الأطفال الذين تتراوح أعمارهم دون الخامسة يعانون التقزم؛ وأكثر من 90 %من الأسر في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية تحصل على الكهرباء لمدة تقل عن 8 ساعات في اليوم؛ وثلث الرجال و 90 % من النساء في الفئة العمرية 15-64 عاماً لا يعملون ولا يبحثون عن عمل؛ ويأتي أكثر من 60 % من السعرات الحرارية التي يستهلكها الفقراء من برنامج حكومي لدعم الغذاء (التموين).
 
و إلى حد بعيد تعد هذه الإحصاءات تراكمات لثلاثة عقود من العنف والضعف المؤسسي. ويصعب بشدة التغلب على هذا الإرث وتجاوزه. فالعراق يعاني عجزا هائلا في رأس المال البشري والبنية التحتية. وقد أثر العنف وانعدام الأمن تأثيرا مباشرا على معدلات وفاة الرجال، وتنعكس هذه الآثار أيضا سلبا على المستوى الصحي والخدمات الأساسية والبنية التحتية في معدلات وفاة الإناث البالغات التي ترتفع منذ الثمانينات وفي تدهور معدلات وفاة الرضع مقارنة بباقي بلدان المنطقة (يسجل العراق الآن أعلى المعدلات في المنطقة بخلاف اليمن وربما جيبوتي).
 
ويشكل الماضي أيضا طموحات وإمكانيات الشباب العراقي وهم مستقبل البلاد. فعبر الثلاثين عام الماضية لم تزداد معدلات التعليمإذ أن احتمال إتمام الشاب العراقي الذي يبلغ اليوم من العمر 18 عاما المرحلة الابتدائية هو نفس  احتمال اتمام المرحلة الابتدائية لمن يكبره بثلاثين عاما، وتعد نسبة مشاركة الشباب في القوى العاملة من بين أدنى المعدلات في المنطقة. وفقد العراق بين عامي 2003 و2012 أكثر من 100 ألف مدني بسبب أعمال العنف، وأدى استمرار الصراع في بعض الأجزاء من البلاد إلى الحد من تطور مستوى المعيشة وزاد من تشرذم العراق وتفتته.
 
وواجهت الدولة العراقية في السنة 2006/2007 تحديات جسيمة على المدى البعيد، فالحفاظ على التقدم في التنمية كان سيتطلب جهدا كبيرا لترسيخ سيادة القانون وتحقيق الإدارة الرشيدة وإنعاش النشاط الاقتصادي في القطاع الخاص وضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
 
وتأثرت الاستراتيجية التي اعتمدتها الدولة بهذه التحديات وقلة الأدوات المتاحة للدولة والضغوط القائمة لإظهار نتائج. وتم اعتماد سياسة قصيرة النظر من محورين لإعادة توزيع العائدات النفطية: مواصلة نظام دعم الغذاء للجميع والتوسع في التوظيف بالقطاع العام. وقد أسفر هذا الوضع عن إهمال أجزاء معينة من البلاد وفئات معينة من الشعب، مما زاد من ضعف العلاقة بين المواطن والدولة دون إزالة أي من  العقبات الرئيسية القائمة أمام التنمية.

واليوم، يواجه العراق أزمة أخرى وموجة جديدة من التشرد وفقدان الدخل وموارد الرزق والأصول، إنها صدع آخر في النسيج الاجتماعي والاقتصادي. وأصبح من السهل النظر الى ماضي العراق القريب على أنه كان فرصة فاتت ولم تستثمر.
 
وسيواجه العراق في مستقبله تحديات أكثر صعوبة. وكما يقول المثل الشائع بين السومريين القدماء "من سار مع الحق ربح الحياة." إن وضع العراق على مسار إلى رخاء يشمل الجميع سيتطلب من صانعي السياسات والمجتمع الدولي والشعب العراقي أن يواجهوا حقائق الماضي ويتعلموا منها لبناء مستقبل أفضل.
 
 
المواضيع

انضم إلى النقاش