نشر في أصوات عربية

الدار البيضاء: نموذج يحتذى به لمدن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجال النقل الحضري المتكامل والمتاح والمستدام

الصفحة متوفرة باللغة:
الدار البيضاء:  نموذج يحتذى به  لمدن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجال النقل الحضري المتكامل والمتاح والمستدام موقف حافلات النقل العام في الدار البيضاء، المغرب (تصوير: نبيل سمير)

يتركز في جهة الدار البيضاء الكبرى، بما في ذلك مدينة الدار البيضاء والمناطق الحضرية المجاورة، أكثر من 13% من سكان المغرب (5 ملايين نسمة) على أقل من 1% من أراضي المملكة، مع انتقال أكثر من 50 ألف شخص آخر كل عام. وتعد الجهة قاطرة النمو الاقتصادي الرئيسية في المغرب، حيث تمثل 25% من  إجمالي الناتج المحلي الوطني. ويعد ميناء الدار البيضاء البوابة التجارية الحيوية في المملكة بين أوروبا وأفريقيا، ويحتل موقعاً فريداً كمركز لوجستي يحقق المزيد من الاندماج والتكامل مع الاقتصاد العالمي.

تجسد الدار البيضاء أيضاً تحديات التوسع الحضري والعمراني  في المغرب الذي يتسم بالتفاوتات الاجتماعية وجيوب الفقر على نحو مستمر. واستناداً إلى بيانات من المندوبية السامية للتخطيط (جهاز الإحصاء الوطني)، يعيش نحو 150 ألف نسمة تحت خط الفقر، مع عدم كفاية سبل الحصول على مرافق البنية التحتية والخدمات الجيدة.

مع الزيادة السريعة في الطلب على النقل الحضري والنقص النسبي في الاستثمار في هذا المجال، أصبح الازدحام المروري الآن مشكلة خطيرة في الدار البيضاء الكبرى، التي بها نحو 20% من السيارات في المملكة. وحتى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كانت معظم وسائل النقل العام غير مزودة بشكل كافٍ، وغير كافية، و/أو غير ملائمة.كان هناك نقص في المعروض من معظم وسائط النقل العام، أضف إلى ذلك عدم كفاءتها وكفايتها و/أو كانت غير مريحة. 

أثر تدهور أحوال النقل الحضري في الدار البيضاء سلباً على النساء والشباب والفئات الأكثر احتياجاً والأولى بالرعاية. وعادة ما تكلف وسائل النقل الحضري الأسر 10-20% من دخلها في الدار البيضاء. كما أثر هذا التدهور سلباً في تغير المناخ، حيث ينطلق من وسائل النقل والمواصلات ثلث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في المملكة (ما يعادل 25 مليون طن من الانبعاثات). ولا تزال المستويات الحالية لتلوث الهواء في الدار البيضاء أعلى إلى حد كبير من الحد الموصى به من قبل منظمة الصحة العالمية.

وكان موضوع النقل والمواصلات في المناطق الحضرية محور جهود كبيرة بذلتها الحكومة والبلديات في السنوات الخمس عشرة الماضية، لا سيما في جهة الدار البيضاء الكبرى. وتم إعداد خطة رئيسية للنقل الحضري لجهة الدار البيضاء الكبرى في عام 2007، ويجري حاليا تحديثها، وأُنشئت شركة الدار البيضاء للنقل بالفعل في عام 2009. وفي هذا الإطار، تم استثمار أكثر من ملياري دولار محليا لتجنب المزيد من التدهور في حركة النقل والمواصلات  بسبب نمو حركة المرور. وتم بنجاح تنفيذ العديد من المشروعات والإجراءات الرئيسية لتحسين سبل الوصول إلى خدمات النقل والمواصلات في المناطق الحضرية، فضلاً عن تحسين جودتها واستدامتها، لا سيما السكك الحديدية الخفيفة في عامي 2012 و2019، والتي تمتد إلى 50 كيلومتراً وتخدم أكثر من 300 ألف راكب يومياً. ومن المتوقع استكمال شبكة الإنارة في المناطق الحضرية بنهاية عام 2024 من خلال إطلاق الخطين الإضافيين الجاري تطويرهما حاليا.

وكانت الحافلات ، وهي وسيلة النقل العام الأكثر استخداماً، محور تركيز الحكومة. وتم توقيع عقد امتياز في عام 2019 بين شركة تشغيل خاصة والحكومة المحلية لتحسين توفير الحافلات. وفي 1 مارس/آذار 2024، بدأ تشغيل شبكة النقل السريع بالحافلات التي تتسم بالابتكار والكفاءة وتضم أسطول حافلات حديث يعمل على مسارات مخصصة لهذا الغرض، وذلك بدعم من برنامج النقل الحضري في المغرب باستخدام أداة تمويل البرامج وفقا للنتائج الذي يموله البنك الدولي. وهذا النوع من حافلات النقل السريع هو الأول من نوعه في منطقة المغرب العربي والثاني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعد مشروع عمّان.

ومما لا شك فيه أن مشروع حافلات النقل السريع سيحدث فرقاً كبيراً في الحياة اليومية للناس في جميع أنحاء المدينة. ومع تحسن التكامل مع وسائل النقل الأخرى (من حيث المحطات والجداول الزمنية والأسعار)، سيشهد الركاب من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية مثل عين شوك والسالمية والرحمة انخفاضاً في زمن رحلات النقل العام إلى وسط مدينة الدار البيضاء بمقدار 30 دقيقة على الأقل إجمالاً (بما في ذلك تقليل أوقات الانتظار). وسيعمل تحسين وسائل النقل والمواصلات على تمكين الناس من الحصول على الآلاف من فرص التشغيل والفرص الاقتصادية الجديدة، فضلا عن دعم التعليم والرعاية الصحية والعديد من الخدمات الأخرى.

وبالإضافة إلى زيادة سرعة التنقل وقطع المسافات، تعد السلامة والشمول أيضاً عنصرين ضروريين للنقل. وتم تنفيذ تصميمات للشبكة تحقق أقصى قدر من السلامة للمشاة وراكبي الدراجات-الهوائية ومستخدمي وسائل النقل العام وسائقي المركبات. ويمكن لذوي  الإحتياجات الخاصة الوصول إلى المحطات والمركبات من خلال تهيئة المرافق المناسبة لهم. وتساعد الإضاءة الكافية والكاميرات الأمنية وموظفو المحطات على ضمان شعور الجميع ، وخاصة النساء ، بالأمان أثناء التنقل. وسيساعد هذا، إلى جانب زيادة العرض والموثوقية والتكلفة المنخفضة، على زيادة معدل مشاركة المرأة في العمل (حاليا نحو 20%)، وهو من أدنى المعدلات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومن خلال توفير بدائل للسيارات الخاصة تتسم بالكفاءة، تعمل حافلات النقل السريع أيضاً على الحد بشكل كبير من الانبعاثات المناخية وتلوث الهواء المرتبط بحركة النقل والمواصلات في المناطق الحضرية.

وتعمل الحكومة، من خلال المكتب الوطني للسكك الحديدية، حاليا على استكمال هذا الجهد وتوسيع نطاق توفير خدمات النقل الحضري الجيدة في جهة الدار البيضاء الكبرى. وبالاستفادة من خط سكك حديدية قائم بطول 60 كيلومتراً، سيشمل البرنامج الذي أُعلن عنه مؤخرا التوسعات في خدمات السكك الحديدية الحضرية المنتشرة بمدينة الدار البيضاء وخدمات وقطارات السكك الحديدية في الضواحي والمناطق الحضرية الكبرى، لربط الركاب من ضواحي وبلديات زناتة والمحمدية والنواصر وبوسكورة.

وبوجه عام، يتمثل الدرس الرئيسي المستفاد من برنامج النقل الحضري في المغرب الذي يمكن أن تحاكيه مدن أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والعالم في أن مشروعات النقل الحضري لا يمكن أن تنجح إلا إذا كانت شاملة ومتكاملة ومستدامة وتعاونية ومدعومة وتدريجية. وبمساندة البنك الدولي وتعاون قوي مع الشركاء المغاربة، لا تؤدي هذه المبادرات إلى تحسين حياة الناس فحسب، بل أيضا إلى تحسين صورة جهة الدار البيضاء الكبرى نفسها. وهذه الجهود تساعد في جعل الدار البيضاء أيقونة متميزة للحداثة، وتعرض رؤية الدار البيضاء الكبرى في المستقبل من خلال مشروعات بنية تحتية وشبكات متطورة جيدة التصميم والتنفيذ وأنظمة إدارة راقية وعلى أعلى المستويات.


نبيل سمير

اخصائي نقل أول لدى مجموعة البنك الدولي

كلوتيلد ف. مينستر

متخصصة في النقل في وحدة النقل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، البنك الدولي

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000