العدالة وسيادة القانون: البنك الدولي بحاجة إلى إعادة تنظيم نفسه

|

الصفحة متوفرة باللغة

الصورة
Image of a scale on a desk

تم نشر هذا المقال سابقا في موقع معهد دراسات الشرق الأوسط. 

أكد رئيس مجموعة البنك الدولي ديفيد مالباس في كلمته في الاجتماعات السنوية 2019 على ضرورة تجديد مناط التركيز على نتائج التنمية القُطرية من خلال تعزيز سيادة القانون والشفافية وإدارة الديون في الماليات العامة. ويمثل هذا صدى ما اقترحه بقوة رئيس مجموعة البنك الدولي الأسبق جيم وولفنسون قبل عقدين من الزمان عبر إطار التنمية الشامل، الذي منح أهمية للحوكمة والشفافية والإصلاح القانوني والقضائي.  كانت الحوكمة وسيادة القانون من المبادئ القوية لمصداقية البنك في مجال التنمية، وشارك البنك الدولي بحسم في تفعيل هذه الأجندة. وقد قَبِل عدد كبير من البلدان ذلك التحدي ورأت أن إصلاح نظامها القضائي وتحديث إطارها القانوني أسفرا عن طريق بناء ومستدام لانفتاح اقتصادها وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. إنها أدركت أنه علاوة على الإسراع نحو اعتماد تشريعات واسعة النطاق عفا عليها الزمن في كثير من الأحيان - مثل قوانين الاستثمار - فإن المستثمرين يبحثون في الواقع عن تدابير ملموسة لتأمين أصولهم وضمان الاستقرار التشريعي والشفافية والحوكمة الرشيدة.

 وفي أواخر التسعينيات من القرن الماضي، استهلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نظامًا حكوميًا أكثر انفتاحًا، وبدأ المغرب ذلك بجدية من خلال مشروع صغير وإن كان محفزًا بقيادة البنك الدولي للإصلاح القانوني والقضائي. وركز المشروع على إنشاء محاكم تجارية حديثة، مع أنظمة متطورة لإدارة القضايا والمحاكم، وتدريب القضاة في المسائل الاقتصادية، وتقديم الخدمات القضائية المجانية للفقراء - لا سيما قضايا المطالبات الضئيلة - واعتماد آليات بديلة لتسوية المنازعات خارج المحكمة. كان تأثير المشروع كبيرًا واثنى عليه المستثمرون الأجانب والمحليون على حد سواء. وحذت بلدان أخرى مثل الأردن والضفة الغربية وقطاع غزة واليمن حذو المغرب مع تحقيق نجاحات ونتائج متفاوتة. ومضى كل من لبنان وتونس ومصر في مسار خاص، وأصبحت الإرادة السياسية لتحديث النظام القضائي، لا سيما فيما يتعلق بمعالجة المسائل الاقتصادية، بمثابة عنصر أساسي و"ضروري" إلى حد ما في حوار البنك الدولي مع شركائه والبلدان الأعضاء في المنطقة. وأصبحت الحوكمة قطاعًا طبيعيًا مقبولًا في لغة البنك مع شركائه والبلدان المتعاملة معه.  

لكن الطاقة الكامنة وراء هذه الحملة تعثرت بطريقة أو بأخرى. فبداية حقبة الألفية كانت عقدًا من الفرص الضائعة للإصلاح في المنطقة، وقد شهدت ارتفاع أسعار النفط، وتزايد الإنفاق، وزيادة تحويلات الاستثمار الأجنبي المباشر والمغتربين غير المستقرة. ومع تغير المصالح من جانب البلدان المتعاملة مع البنك الدولي، انتقلت أولويات البنك نحو أبعاد أخرى من أجندة التنمية، وابتعد البندول إلى حد ما عن الحوكمة والإصلاح القانوني والقضائي وسيادة القانون بمعناه الواسع.  وتم الإبقاء على تلك المسائل كنقاط نقاش، لكن نادراً ما كان يتم تضمينها في أجندات عامة مفتوحة وبرامج قُطرية محددة.

واليوم، نسمع في شوارع العراق ولبنان ومصر والجزائر وتونس والمغرب وغيرها أصوات الشباب المطالبة بالعدالة والحوكمة الرشيدة والكرامة والوظائف. وعلى النقيض من هذه المطالب، فإننا نرى الحكومات غير راغبة في التحرك نحو أنظمة حوكمة من شأنها ضمان الشفافية والمساءلة والمنافسة العادلة للجميع، أو غير قادرة على ذلك. نرى حكومات غير قادرة على تلبية الحاجة الملحة للتصدي للجهات الاقتصادية الفاعلة الساعية نحو الربح الريعي، أو غير راغبة في ذلك، وسط معدلات من النمو المتعثر وضعف فرص العمل وتصاعد مشاعر الإحباط نتيجة لذلك. هذه الدعوات المطالبة بالعدالة وسيادة القانون، وعدم قدرة عدد كبير من الحكومات على تلبية مطالب مواطنيها، أصبحت أكثر وضوحا في غضون ما يقرب من عشر سنوات بعد أن أحدث الربيع العربي تحولات هائلة في الحياة السياسية الوطنية وفي المشهد السياسي الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكملها. إن تركيز البنك الدولي على إنهاء الفقر وتحقيق الرخاء المشترك، وعزمه على ذلك، لا يمكن أن يصبح له مصداقية ولا يمكن تحقيقه إلا حين يتحقق التزام كامل لا يتزعزع بالحوكمة الرشيدة والشفافية وسيادة القانون. وهذا الضغط سيساعد أيضًا في جهود مكافحة الفساد الضرورية للقضاء على الفقر. فلا يمكن القضاء على الفساد إلا بتطبيق نظام صارم للعدالة يتسم بالشفافية وآليات انتصاف وتعويض موثوقة. ويمكن للبنك الدولي، بل يجب عليه، إعادة المشاركة في هذا المسار. ومع عدد من الزملاء، فإني أدافع عن وضع عقد اجتماعي جديد بين المواطن والحكومة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ونعتقد أن جزءًا كبيرًا من هذا العقد الذي سيُعاد التفاوض عليه يكمن في الحاجة إلى المضي قدماً في تشجيع التنافسية في الاقتصاد والإنصاف وتكافؤ الفرص بين جميع الأطراف الاقتصادية الفاعلة. وهذا يحتاج إلى تجديد التركيز على نظام قضائي فعال سريع له مصداقية ويتسم بالاستقرار، وإجراءات إنصاف تمنح الثقة للجميع.

على حد قول الرئيس مالباس في كلمته المذكورة أعلاه: " الخطوات الرئيسية للتنمية هي إرساء سيادة القانون التي يمكن التعويل عليها، وتُشجِّع على الشفافية في التعاقدات الحكومية ومعاشات التقاعد، وتحارب الفساد، وتبني مؤسسات قوية خاضعة للمساءلة، وتتيح تكافؤ الفرص حتى يتسنى للقطاع الخاص أن ينافس المشروعات المملوكة للدولة والجيش والحكومة نفسها منافسةً عادلة... وثمرة هذا هي أن البلدان التي تتخذ هذه الخطوة تجتذب قدرا أكبر من الاستثمارات، الأجنبية منها والمحلية، ويمكنها تحقيق نمو يعود بالنفع على قطاع أوسع من السكان".

 إننا مدينون للحكومات الشريكة بتقديم المشورة الصريحة التي تخدم مصلحة مواطنيها. وإعادة المشاركة في أجندة الإصلاح القانوني والقضائي ستحيي إرث كل من آمنوا به وعملوا بلا كلل على غرسه كأساس رئيسي للنقاش حول التنمية العالمية مع الاستجابة لمتطلبات شباب المنطقة وطبقتها الوسطى. إن إرث الرئيس وولفنسون ونائبه الأول المستشار القانوني العام الراحل إبراهيم شحاتة موجود للتذكير بأن سيادة القانون هي واحدة من أدوات التنمية النهائية لمحاربة الفقر والإقصاء وتحقيق الرخاء المشترك.

بقلم

فريد بلحاج

نائب رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

انضم إلى النقاش