الفاقد التعلمي وخسائر الدخل: التكاليف التعليمية والاقتصادية لإغلاق المدارس الرسمية في لبنان

|

الصفحة متوفرة باللغة

الصورة
ولد صغير يكتب على لوحة المفاتيح
لم تؤثر الاضطرابات المرتبطة بفيروس كورونا في التعليم على جميع الطلاب في لبنان بالتساوي (الصورة: Ground Picture/Shutterstock)

عانى الأطفال في المدارس الرسمية في لبنان من أربع سنوات متتالية من الدراسة المتقطعة (من 2019-2020 إلى 2022-2023)، حيث تلقوا نحو 270 يومًا من التعليم المباشر مقارنة بـ600 يوم كان ينبغي أن يتلقوها خلال أربع سنوات دراسية نموذجية.  

وقبل جائحة كورونا، كان الطلاب في لبنان يُتمون ما يُقدر بنحو 10.2 سنوات من الدراسة كمعدل. ولكن، وبالأخذ بعين الاعتبار مقدار ما تعلموه بالفعل، فإن الطلاب في لبنان لم يحصلوا إلا على 6.3 من سنوات الدارسة المعدلة بحسب مقدار التعلّم Learning-Adjusted Years of Schooling))، وذلك بالتساوي مع بلدان أخرى في المنطقة مثل المغرب. وقَدَّر نموذج محاكاة الفاقد التعلمي Learning Loss Simulation Model))، الذي تم وضعه في أثناء جائحة كورونا، أن طلاب المدارس الرسمية والخاصة في لبنان فقدوا ما بين 1 إلى 1.2 سنة من سنوات الدراسة المعدلة بحسب مقدار التعلم نظرًا لإغلاق المدارس الناتج عن جائحة كورونا. وتؤيد الشواهدَ والأدلةَ الناشئة عن الفاقد التعلمي الفعلي خلال هذه الفترة الزمنية  النتائج المستخلصة من نموذج محاكاة الفاقد التعلمي. بالإضافة إلى ما سبق، فقد أظهرت البيانات المستمدة من تقييم مهارات القراءة في الصفوف  الدراسية الأولى، الذي أُجري في لبنان خلال شهري آذار ونيسان 2022، أن 2.8% فقط من طلاب الصف الثاني كان تحصيلهم في فهم القراءة في مستوى متوسط أو أعلى، مقارنة بنسبة 11% من الطلاب في نيسان وأيار 2018. 

ولم يؤثر تعطل الدراسة بسبب جائحة كورونا على جميع الطلاب في لبنان بالتساوي. علماً أنه حتى قبل فترة تعطل الدراسة هذه، كان طلاب المدارس الرسمية اللبنانية (وهم في المجمل طلاب لبنانيون وغير لبنانيين من ذوي الدخل المنخفض) متأخرين أصلاً عن طلاب المدارس الخاصة. فقد أظهرت نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب(PISA)  الذي أجري في عام 2018 أن هناك فروقًا قدرها أربع سنوات من الدراسة بين الطلاب الذين ينتمون إلى خُمَيسَي الدخل الأعلى والأدنى. وفي أثناء الجائحة، تسبب النقص في الموارد والبنية التحتية، لا سيما في المدارس الرسمية، في إعاقة جهود التعلم عن بعد، مما زاد من اتساع الفجوة في نواتج التعلم بين مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية.  

علاوة على ذلك، فقد استأنفت المدارس الخاصة عملها المعتاد إلى حد كبير بعد انتهاء الجائحة، في حين استمر تعطل التعليم الرسمي، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى إضرابات المُعلمين بسبب التدني الكبير في قيمة رواتبهم نتيجة الأزمة الاقتصادية. وعند توسيع نطاق نموذج محاكاة الفاقد التعلمي، فإن التقديرات تشير إلى أن طلاب المدارس الرسمية في لبنان فقدوا خلال السنة الدراسية 2022-2023 ما بين 0.4 و0.5 سنة إضافية من سنوات الدراسة المعدلة بحسب مقدار التعلم. وتماثل مستويات التعلم الناتجة التي تتراوح ما بين 4.6 و4.9 من سنوات الدراسة المعدلة بحسب مقدار التعلم لطلاب المدارس الرسمية في لبنان مستويات سنوات الدراسة المعدلة بحسب مقدار التعلم قبل الجائحة في اثنين فقط من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وهما اليمن (4.2) والعراق (4.0)، إلى جانب العديد من البلدان في أفريقيا جنوب الصحراء، مثل سيراليون (4.9) وغينيا (4.6). 

 

الشكل 1. الفاقد التعليمي المحتمل في لبنان فيما بين عامي 2020 و2023 

 

المصدر: نتائج نموذج المحاكاة الخاص بالبنك الدولي 

 

ومن المتوقع أن يؤثر الفاقد التعلمي الناجم عن تعطل قطاع التعليم سلباً على الاقتصاد اللبناني لعقودٍ قادمة. فمن شأن الفاقد التعلمي أن يؤدي إلى خسائر مستقبلية في دخل الطلاب المتضررين طوال حياتهم العملية. وإذا لم تتم معالجته، فإن الفاقد التعلمي من السنوات الدراسية الأربع الماضية وحدها قد يؤدي إلى خسارة بنسبة 10% من الدخل المستقبلي على مدار الحياة العملية للطلاب المتضررين. ويمكن أن يُترجم الفاقد التعلمي الإضافي الذي واكب السنة الدراسية 2022-2023 إلى خسارة إضافية تتراوح بين 3.2% و3.8% من الدخل المستقبلي للطلاب المتضررين، مما يؤدي إلى خسائر للاقتصاد اللبناني تتراوح قيمتها بين 217 و253 مليون دولار على مدار الحياة العملية لهؤلاء الطلاب (بالقيمة الحالية للدولار الأميركي).  

وتأتي  التحليلات والنتائج الملخصة أعلاه بمزيد من التفصيل في دراسة نشرها البنك الدولي مؤخرًا بعنوان: "سنة أخرى ضائعة؟ تقدير التكاليف التعليمية والاقتصادية لإغلاق المدارس الرسمية في لبنان في 2022-2023".    

وتشير أكثر تقديرات البنك الدولي تحفظًا إلى أن كل يوم إضافي من إغلاق المدارس الرسمية يمكن أن يؤدي إلى خسائر مستقبلية تقدر بنحو 3 ملايين دولار للاقتصاد اللبناني (بالقيمة الحالية للدولار الأميركي). وعلى سبيل المقارنة، صرح وزير التربية والتعليم العالي بعد جلسة مجلس الوزراء المنعقدة بتاريخ 17 آب 2023 أن كلفة هذه السنة الدراسية 2023-2024 في قطاع التعليم الرسمي هي 150 مليون دولار أميركي وذلك لتإمين استمرارية السنة الدراسية بشكل طبيعي، أي ما يعادل حوالي 1.6 مليون دولار أمريكي يوميًا (وذلك استنادًا إلى العام الدراسي المختصر حاليًا والمكوّن من 4 أيام تدريس في الأسبوع و23 أسبوعاً تدريسياً في السنة). وبالتالي، فإن المبلغ اليومي الذي طلبه وزير التربية لضمان حسن سير العام الدراسي 2023-2024 أقل من التكاليف اليومية في حال إغلاق المدارس على المدى الطويل. 

تسلط تقديرات الفاقد التعلمي وخسائر الدخل هذه الضوءَ على الحاجة الملحّة لأن تعطي الحكومة اللبنانية الأولويةَ للاستثمار في قطاع التربية، وأن تبادر بالتخطيط الدقيق لإعادة فتح المدارس لاستقبال السنة الدراسية 2023-2024 وضمان استمراريتها بشكل طبيعي.  

لطالما تميّز لبنان بجودة نظامه التعليمي وبرأسماله البشري المُزَود بالتعليم الراقي والكفاءة والمهارة. إن ضمان استمرار أداء قطاع التعليم الرسمي لمهامه ووظائفه ضروري لتمكين جميع الأطفال في لبنان من تحقيق إمكاناتهم كأفرادٍ مُنتجين في المجتمع والمساهمة في تعافي الاقتصاد اللبناني واستدامته على المدى الطويل.  

بقلم

هناء الغالي

أخصائية أولى بشؤون التعليم لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، البنك الدولي

انضم إلى النقاش