نشر في أصوات عربية

التهريب عبء إضافي على موازنة تونس

الصفحة متوفرة باللغة:
Image

المدونون: غاييل رابالاند ومايلز ماكينا (a)

نشبت الأسبوع الماضي أعمال شغب في أنحاء تونس إثر إحتاجات على قرارات حكومية، إعتبرها كثير من التونسيين مجحفة، فيما كانت الحكومة تسعى من خلالها الحد من عجز الموازنة. وتأتي تلك القرارات في سياق  محاولة المسؤولين خفض الإنفاق وزيادة العائدات مع الاستجابة، في الوقت عينه، لمطالب المواطنين الذين يزداد استياؤهم بسبب ارتفاع البطالة واستمرار التضخم.
 
ورغم أن الاقتصاد التونسي سجل نمواً بنسبة 3 في المائة العام الماضي، إلا أن هذا التحسن لا يكفي لخلق وظائف جديدة. ومما زاد الأمور سوءاً، إضطرار الكثير من أصحاب المصانع والشركات إلى فصل عمال. وبحسبهم فإن سبب ذلك يعود إلى تأثير التجارة غير الرسمية والمنافسة غير النزيهة عليهم.
 
وتشكل التجارة غير الرسمية إحدى كبرى المشاكل  لمناخ الأعمال وللحكومة الانتقالية أيضاً التي تعاني من نقص في السيولة. فوفقاً لبحث أصدره البنك الدولي مؤخراً فإن الحكومة التونسية تخسر مبالغ كبيرة من العائدات العامة، أي الرسوم وضريبة القيمة المضافة والضرائب الأخرى، بسبب التجارة غير الرسمية عبر الحدود مع ليبيا والجزائر.
 
ومع إرتفاع حدة الاضطرابات الشعبية واستمرار التركيز على الصورة السياسية عقب ثورة 2011، يبدو أن الحكومة قلقة من احتمال تهديد الأمن بسبب التجارة غير الرسمية المتنامية، وبخاصة تجارة السلاح، كما هو موثق في دراسة حديثة نشرتها مجموعة الأزمة الدولية.
 
لكن تحجيم التجارة غير الرسمية يمكن أن يكون أمراً معقداً للغاية. ففي البداية، يصعب تحديد ما هي التجارات غير الرسمية  وما حجمها. لكن وفقاً لتحليل البيانات الرسمية الجزئية وكذلك استبيانات عند الحدود وفي البلدات الحدودية، يقدر أن حجم التجارة غير الرسمية يصل الآن إلى 1.8 مليار دينار تونسي (أكثر من مليار دولار).
 
وفي حين أن هذا لا يشكل سوى جزء صغير من إجمالي تجارة البلاد، إلا أن التجارة غير الرسمية تشكل نحو نصف تجارة تونس مع ليبيا، وهناك دلائل كثيرة تشير إلى أنها تمثل جزءاً كبيراً من تجارتها الثنائية مع الجزائر أيضاً. وكون الإحصاءات التجارية الرسمية غير متوفرة في تونس فمن المرجح أن يكون مستوى التجارة غير الرسمية أكبر بكثير من التجارة الثنائية مع كلا البلدين.
 
هناك أسباب عديدة لذلك. فقبل كل شيء، خَلُص بحثنا إلى أن الفروقات بين جانبي الحدود في حجم دعم الدولة ونظام الضرائب ما زال المحرك الرئيسي لزيادة التجارة غير الرسمية. فالتباين الضخم في الأسعار يوفر حافزاً كبيراً للتهريب. وليس من المستغرب على سبيل المثال أن نحو ربع الوقود المستهلك في تونس مستورد بصورة غير رسمية من الجزائر، حيث يبلغ سعر الوقود عُشر سعره في تونس.
 
وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن التهريب يعكس التدني في أداء الأنظمة. ففي حين أن التجارة غير الرسمية تعتبر خروجاً عن القانون، لا سيما من قبل أصحاب المصالح التجارية التقليديين، إلا أنها تسد فجوات معينة في السوق التجارية. فلو أمكن تهريب الوقود وغيره من السلع عبر الحدود دون عقاب فإن الحافز الاقتصادي كافٍ لجذب التونسيين إلى العمل في الإقتصاد غير الرسمي، كتجار جملة و حمالين وغير ذلك، سيما وأنهم يجاهدون للعثور على مصادر للدخل.
 
هذا الحال ينطبق بشكل خاص على بلدة " بن جاردين " الحدودية. فهناك، يعمل نحو 38 شخصاً في التجارة غير الرسمية، أي ما يعادل حوالي 20 في المائة من السكان العاملين، لتكون بذلك أكبر قطاع اقتصادي في المنطقة.
 
تقرير البنك الدولي خلص أيضاً إلى نتيجة رئيسية أخرى. ففي حين أنه من المجدي أن تضبط الحكومة من يتهرب من دفع الرسوم الجمركية إلا أن ذلك قد يؤدي إلى اضطرابات شعبية محلية. ففي المناطق التي تجاهد لتطوير صناعات متقدمة، تبقى التجارة غير الرسمية هي مصدر الدخل. كذلك، ومع استمرار تقويض القوة الشرائية للأسرة التونسية، فإن التهريب يساعد أيضاً على إبقاء سعر بعض السلع منخفضاً مقارنة بإذا ما تم فرض ضرائب عليها.
 
كل هذا يضع السلطات المحلية أمام معضلة حقيقية. ورغم أن الحكومة فرضت عقوبات صارمة على مخالفي القانون لكن تطبيقها مازال يمثل مشكلة على المستوى المحلي. هذا وتشير الدلائل إلى أنه حتى لو زادت العقوبات على المخالفين ستستمر التجارة غير الرسمية ما دامت الفروقات الكبيرة في الأسعار عبر الحدود (مثل الوقود) قائمة.
 
فما الذي بوسعنا عمله؟
 
أولاً، من الأرجح أن تطوير البنية التحتية وتشديد الضوابط عند الحدود بمعدات جديدة لن يحلا مشكلة التجارة غير الرسمية. إذا الأساس هنا تبني نهج شامل للسياسات، يقيد الحوافز للتهريب (عبر إعادة النظر في سياسة التجارة مثلاً) واختيار مسؤولين أكثر كفاءة لمراقبة الحدود.
 
ويرتكز هذا النهج على تحليل المحركات الرئيسية لتهريب منتجات معينة بالإضافة إلى تكثيف الجهود بين الدول المتجاورة لتنسيق السياسات والدعم. فبدون تنسيق الأسعار وأنظمة الضرائب على المستوى الإقليمي، لن يكون هناك فرصة تذكر للحد من نمو التجارة غير الرسمية.   
 
وفي النهاية، تحتاج البلاد إلى الاستقرار السياسي والقيادة الواضحة. بالنسبة لكثير من التجار غير الرسميين الذين يعيشون في المناطق الحدودية النائية، هناك إحساس بأنهم منسيون من جانب من هم في العاصمة. وإلى حين أن يتم التوصل إلى اتفاق سياسي  وقيام الدولة القوية لن تكون هناك فرصة حقيقية لاحتواء التجارة غير الرسمية.

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000