الدعم وتفادي الخسائر ودروس من إيران

|

الصفحة متوفرة باللغة

بعد أسبوع من المظاهرات الواسعة والإضرابات احتجاجا على إلغاء الدعم الحكومي للوقود، ردت الحكومة النيجيرية بتخفيض الأسعار من جديد.  وقد تضاعفت أسعار البنزين منذ مطلع العام الجديد مرتين إلا أن التراجع الذي حدث هذا الأسبوع لا يرفعها بأكثر من الثلث.وينظر أغلب النيجيريين إلى الدعم باعتباره الفائدة الأساسية التي يحصلون عليها من الثروة النفطية للبلاد.  

ورغم أن التطبيق في هذه الحالة كان معيبا، فثمة منطق اقتصادي قوي يقف وراء إلغاء الدعم يتجاوز التكلفة العالية على الموازنة. فالدعم يشوه الأسعار ومن ثم يقبل المستهلكون والمنتجون على استخدام الكثير من السلع المدعومة لأنها أرخص نسبيا.  ورغم اعتبارها عنصر توازن فإن هذا الدعم يذهب في الحقيقة للأثرياء الذين ينفقون أكثر على أغلب السلع.  وعلاوة على ذلك، تتسرب بعض هذه السلع عبر التهريب إلى البلدان المجاورة.  ويعتبر دعم الوقود ضارا بدرجة كبيرة لأنه يشجع على الإفراط في الاستهلاك وهو أمر سيء للبيئة ويشوه سوق الطاقة. كما أنه يدفع بالموارد إلى إنتاج سلع كثيفة الاستخدام لرأس المال، وهو تشويه كبير في بلدان غنية بالعمالة.

وهناك اتفاق في الرأي على أنه ينبغي أن يستبدل هذا الدعم بتحويلات نقدية موجهة.  لكن ما يبعث على الدهشة هو أن من يتلقون التحويلات النقدية يفضلون الدعم، أو على الأقل يقولون ذلك. وأحد الأسباب التي يسوقونها لذلك هو أن الدعم ضمان لهم أمام تقلبات الأسعار:  فالدعم يلطف من الأوضاع في الأوقات العصيبة إذا كان ذا قيمة معادلة في شكل ضبط للأسعار لأنه يزداد حينما ترتفع الأسعار. والسبب الآخر هو أنهم ربما لا يصدقون أن المزايا البديلة ستأتي.

وثمة مكون إضافي آخر مهم وهو تلافي الخسائر. فمن المعروف أن الناس يكرهون الخسارة أكثر مما يحبون تحقيق ما يعادلها من مكاسب.  وقد شاركت في إحدىالتجارب المبكرة الواردة حاليا في الأدبيات الكثيرة.  إذ تم توزيع أكواب على بعض زملائي في الفصل في حين لم يحصل البعض الآخر على أي منها. وبعد هذا بقليل، وعقب بعض التمرينات غير المرتبطة بهذا الأمر، عرض على من حصلوا على أكواب أن يستبدلونها بدولارين لكل منها، أما من لم يحصل على كوب فقد عرض عليه أن يختار بين الكوب وبين الدولارين. والنتيجة:أن من حصلوا على الأكواب من البداية أحجموا عن بيعها، بينما من عرض عليهم أن يختاروا فضلوا المال (أنا نفسي أخذت المال.) والخلاصة، أن الشعور بالملكية جعل الناس يولون الأكواب قيمة أكبر. 

مثال آخر جاء من أحد المصانع في الصين حيث تم إخطار مجموعة من العمال بأنهم حصلوا على منحة كحافز سيدفع لهم ضمن شيك المرتب القادم لكنهم سيخسرونه إذا كان الإنتاج أقل من المتوسط.  وعلى النقيض من هذا، تم إبلاغ مجموعة أخرى أنهم سيتلقون منحة كحافز يصرف لهم ضمن الراتب القادم إذا حققوا إنتاجا أعلى من المتوسط.  وفي إيجاز، عرض على كلتا المجموعتين نفس القيمة من الحافز من أجل رفع الإنتاجية لكن العرض قدم بصيغة التخويف من الخسارة لمجموعة والترغيب في المكسب لمجموعة أخرى.  ومن المدهش أن أفراد المجموعة المهددة بالعقاب حققوا إنتاجية فوق المتوسط.  فالخوف من الخسارة كان أكثر تحفيزا على العمل من الوعد بتحقيق مكاسب.

ومرة أخرى، تظهر التجارب أن الناس يكرهون الخسارة أكثر من حبهم لتحقيق قدر مماثل من المكاسب.

وهذه النزعة نحو تلافي الخسائر تجعل الإصلاح صعبا على وجه الخصوص. والمشكلة هي أن إلغاء الدعم- والذي تم ترسيخه محليا في الكثير من الحالات عبر عقود من الزمن - يقترن بجر خسائر أكبر من جلب منافع نتيجة الحصول على تحويلات نقدية معادلة لقيمة الدعم.  ويبدو هذا حقيقيا حتى على الرغم من أن التحويلات النقدية أكثر تنوعا حيث يمكن استخدامها في شراء بضائع أو سلع كانت مدعومة من قبل أو ادخارها أو استثمارها.  

وإذا كان تلافي الخسائر يمثل مشكلة في الواقع، فثمة طريق واضح للمضي قدما. فمن أجل الحد من الخسائر سيكون من الأفضل تقديم التحويلات النقدية قبل إلغاء الدعم، ولكن تحت مسمى واضح كأن يكون "تحويلات نقدية بديلة عن الدعم." وبهذه الطريقة يتم تكريس التحويلات كشيء مملوك قبل أن يلغى الدعم. وهذا من شأنه أيضا أن يخفف من المخاوف المحتملة من عدم تلقي مزايا بديلة عن إلغاء الدعم.

هذا بالضبط ما فعلته سياسة إيران في تحويل الدعم حيث أودعت الأموال في الحسابات البنكية للناس قبل ارتفاع الأسعار.  فقد تسنى للإيرانيين أن يروا الإيداعات في حساباتهم لكنهم لا يستطيعون الاقتراب منها قبل أن يتم إلغاء الدعم فعليا.  وتتناول دراسة مثيرة أعدها جواد صالحي إصفهاني برنامج التحول الاقتصادي في إيران. وتطبق إيران واحدا من أكبر برامج الدعم للطاقة والغذاء في العالم حيث يكلف الحكومة نحو 20 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.  لكن الخطة التي أدت إلى ارتفاع الأسعار أضعافا مضاعفة قوبلت بهدوء نسبي. إن هذا النهج المبتكر للتحويلات النقدية المبكرة جعل الناس يركزون على كيفية إنفاق هذه التحويلات أكثر من تركيزهم على خسارتهم للدعم.  وخشي البعض حدوث تهافت على البنوك بمجرد أن تصبح التحويلات المالية متاحة، لكن هذا لم يحدث.  فبدلا من ذلك، سارع من تخلفوا عن تسجيل أنفسهم في كشوف المستحقين للدعم النقدي إلى تسجيل أسمائهم. والمهم هو أن تعديل الأسعار كان له آثاره المرجوة حيث انخفض استهلاك جميع أنواع الطاقة بنسبة 36 في المائة فيما اتسع نطاق المساواة في الدخل بدرجة كبيرة. 

وثمة مشكلة رئيسية تصاحب إلغاء الدعم وهي أن كل المواطنين يواجهون الخسارة، مما يجعل الإصلاح مكروها بشكل غير عادي.  وكلما اتسع نطاق الدعم زادت الخسائر المصاحبة.  ومن أجل استئصال الدعم بأقل قدر من الألم من المهم تعويض الخسارة بمكاسب قبل إلغائه خاصة للفئات المنخفضة الدخل التي تعول عليه بدرجة أكبر.  وتساعد التحويلات النقدية المبكرة في ذلك.