نشر في أصوات عربية

الإدارة المستدامة للغابات في الجزائر وجدواها في التصدي لما تسببه حرائقها من مخاطر

الصفحة متوفرة باللغة:
A forest fire burns in Bouïra, Algeria. A forest fire burns in Bouïra, Algeria.

طالعنا في الصيف الماضي صوراً لحرائق الغابات التي اجتاحت الجزائر وبلداناً أخرى بمنطقة البحر المتوسط.، حيث دمرت مساحات شاسعة من تلك الغابات، وحصدت أرواحاً ثمينة، وأضرمت النيران في الممتلكات، وتسببت في خسائر بملايين الدولارات من الأصول الاقتصادية. وقد ضعفت على أثَر ذلك الأسس التي تقوم عليها النظم الإيكولوجية في تلك البلدان. فهل نعتبر هذا العام هو أسوأ عام شهدناه على الإطلاق فيما يتعلق بحرائق الغابات؟

هناك تكنولوجيا جديدة تتيح لنا التنبؤ بالحرائق بشكل أفضل من ذي قبل، ومراقبتها. وتظهر البيانات أن العالم ظل يشهد حرائق بكثافة متزايدة في العقود الأخيرة،. وقد أدى تغير المناخ إلى تفاقم هذا الخطر، حيث تسببت زيادة درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار في إذكاء تلك المشكلة.

من منظور آخر، يظهر الكتاب الأبيض الذي أعدته الحكومة عن آثار التغيرات المناخية في الجزائر أنه على الرغم من أن الغابات والأشجار تغطي أقل من 1% من مساحة أراضي الجزائر، فإن حرائق الغابات تشكل واحداً من أكبر ثلاثة مخاطر على الأرواح والممتلكات والنشاط الاقتصادي في البلاد. وقد سجلت الجزائر ما بين عامي 2010 و2019 قرابة 3 آلاف حريق التهمت مساحة تعادل نحو 30 ألف ملعب لكرة القدم سنوياً. وبلغت الخسائر السنوية في الأصول 1.5 مليار دينار جزائري، أي ما يعادل 11 مليون دولار، وبلغت التعويضات المدفوعة لضحايا الكوارث 600 مليون دينار جزائري، أي ما يعادل 4.4 ملايين دولار في عام 2020.

الإدارة المستدامة للغابات: نهج ثبتت جدواه في التصدي الفعال لمخاطر حرائق الغابات

هل يعني ذلك أننا نستسلم لحقيقة أنه سيقع مزيد من الحرائق ومزيد من الدمار، وأن علينا تحمل الخسائر الناجمة عن ذلك؟ إذا بقيت الجهود العالمية للحد من انبعاثات غازات الدفيئة غير كافية، فإن تغير المناخ سيزيد من احتمالات حدوث حرائق أكثر تكراراً وشدة.

ومع ذلك، هناك نهج آخر لإحداث تحول في طريقة إدارة الغابات، والحد من مخاطر نشوب الحرائق مع زيادة المنافع التي تتيحها هذه الغابات. ويُعرف هذا النهج باسم الإدارة المستدامة للغابات، ويجري تنفيذه في كثير من أنحاء العالم. ويهدف هذا النهج إلى تحسين القيمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للغابات للأجيال الحالية والمستقبلية، مع وضع مخاطر اندلاع الحرائق في الاعتبار.

ما الذي يعنيه هذا للجزائر؟ تكمن الإجابة عن هذا السؤال في دمج كثير من جوانب إدارة الغابات، مثل استعادة الظروف المُثلى التي مر بها تاريخ هذه الغابات، والحد من الضغوط الواقعة عليها، وتغيير السلوكيات العامة من خلال التعليم والتوعية المجتمعية، وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود في المناطق التي تشكل بؤراً للحرائق، وإعادة تشجير هذه الغابات، وتوفير مزيد من التمويل للوقاية من الحرائق، مثل إنشاء مصدات مكافحة للحرائق، وتحسين الكشف والتدريب والاستعداد لإخماد الحرائق بسرعة.

وتواجه بلدان أخرى مثل تركيا والهند مخاطر مماثلة لما تواجهه الجزائر، حيث شرعت في إدراج هذه المخاطر ضمن الإدارة المستدامة للغابات، باستخدام نهج مكاني، أو نهج مراعٍ للبيئة الطبيعية. ومن خلال هذا النهج، تؤخذ المكونات المختلفة للامتدادات الطبيعية في الحسبان - الزراعة والحراجة والمباني والطرق، وتمثل إدارة حرائق الغابات جزءاً لا يتجزأ من إدارة الغابات.

التصدي لحرائق الغابات في الجزائر وعرض البنك الدولي تقديمَ المزيد من المساندة الفنية

خلال العام الماضي، عمل البنك الدولي على تشخيص إدارة مخاطر الكوارث للغابات مع المندوبية الوطنية للمخاطر الكبرى التابعة لوزارة الداخلية الجزائرية بالإضافة إلى 12 هيئة حكومية أخرى، وشارك في تنظيم جولة دراسية افتراضية للتعلم من التجارب العالمية في مجال إدارة مخاطر الكوارث، بما في ذلك كيفية إدارة حرائق الغابات في بعض الدول مثل البرتغال وفرنسا.

وتعليقاً على ذلك، قال إيمانويل كوفيليير، الممثل المقيم للبنك الدولي في الجزائر: "كانت سلسلة ندواتنا الإلكترونية فرصة لتبادل الممارسات الجيدة، ومناقشة الأدوات التحليلية لمساندة جهود الجزائر الرامية إلى إيجاد السبل المناسبة لإدماج مخاطر الحرائق في الإدارة المستدامة للغابات".

وتشير النتائج الأولية لتشخيص إدارة مخاطر الكوارث بالجزائر إلى أنه لكي تتمكن البلاد من الاستجابة على نحو ملائم لحرائق الغابات، فإنها ليست بحاجة إلى تحديث معدات مكافحة الحرائق وأساليب إطفاء الحرائق فحسب، بل أيضاً إلى تخصيص موارد كافية لتمكين جميع أصحاب المصلحة الرئيسيين من القيام بوظائفهم. وينبغي للجزائر أيضاً إنشاء نظام متكامل للإنذار المبكر يتضمن الإنذار بحرائق الغابات، وزيادة الوعي العام للتشجيع على تغيير السلوك.

ويؤدي نظام الإنذار المبكر الذي يرصد أخطاراً متعددة، مثل تلك الموجودة في جنوب أوروبا وكندا، دوراً رئيسياً في التأهب لمواجهة المخاطر والحد منها. وباستخدام الأرصاد والتنبؤات المتطورة لأحوال الطقس، يمكن لنظام الإنذار المبكر أن يحدد مدى وجود مخاطر لاندلاع حرائق الغابات (من خلال نظام لتقدير مخاطر الحرائق)، واكتشاف الحرائق مبكراً، وتفعيل خطط ما قبل إطفاء الحرائق قبل وقوعها، أو خروجها عن نطاق السيطرة. وبمساندة من البنك الدولي، على سبيل المثال، أجرت الحكومة التركية في عام 2017 تحليلاً لقطاع الحراجة لديها، والأخطار التي تهدد النظم الإيكولوجية لغاباتها، بما في ذلك مخاطر الحريق.

وعلى الرغم من أن الجزائر تبذل جهوداً كبيرة للتصدي لتحدي إدارة حرائق الغابات، فلا يمكن لأي بلد أن يواجه الطوارئ والكوارث الطبيعية وحده. ومن شأن تحليل سياسات الغابات والموارد أن ينتج بيانات ومعلومات تثري الحوار بين الهيئات الحكومية والشركاء الدوليين بشأن الإدارة المستدامة للغابات، وذلك من أجل حماية النظم الإيكولوجية للغابات في الجزائر من الأخطار مثل الحرائق، وكذلك من أجل حماية جميع السكان.

 

مواضيع ذات صلة

البنك الدولي في الجزائر


بقلم

أندريا كوتر

أخصائية أولى في إدارة الموارد الطبيعية

كريمة بن بيه

أخصائية إدارة مخاطر الكوارث

ساندرين جوفريه

أخصائية أولى في إدارة الموارد الطبيعية

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000