الأزمات الكبرى التي تعصف بلبنان وما خلفته من تداعيات على الشركات والعمال

|

الصفحة متوفرة باللغة

يواجه لبنان ثلاث أزمات كبرى في وقت واحد: أزمة اقتصادية ومالية، وجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، وتبعات انفجار مرفأ بيروت - وهو من أكبر الانفجارات غير النووية التي سُجِّلت على الإطلاق. ومن المُرجّح أن تُصنّف الأزمة الاقتصادية والمالية ضمن أشد عشر أزمات، وربما إحدى أشد ثلاث أزمات، على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر.

لقد أدَّت هذه الأزمات المتفاقمة إلى انخفاض في إجمالي الناتج المحلي الحقيقي يُقدَّر بنسبة 20.3% في 2020، ومن المتوقع أن ينكمش أكثر بنسبة 9.5% في 2021. وتعاني البلاد من ارتفاع معدل التضخم الذي تجاوز 100%، ومن المتوقع زيادة معدل الفقر إلى 45% والفقر المدقع إلى 22%. ويُقدَّر أن نحو 1.7 مليون لبناني قد أصبحوا تحت خط الفقر منهم 841 ألفاً دون خط الفقر الغذائي.

فكيف أثَّر كل هذا على الصناعة والعمال؟ في الفترة الممتدة بين أكتوبر/تشرين الأول 2019 وأكتوبر/تشرين الأول 2020، أجرى فريق من البنك الدولي مقابلات مع أصحاب ومديري 379 شركة مُسجَّلة ووجَّه إليهم أسئلة عن المبيعات والإنتاج وإغلاقات الشركات وآفاق المستقبل. وسيجري الفريق جولتين إضافيتين من المقابلات مع الشركات نفسها لتتبُّع إستراتيجيات التكيف التي اتبعتها وآثار الأزمات على أدائها- وسيتم الإعلان عن نتائج هذه المقابلات بين أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول 2021. تعرض هذه المُدوَّنة بعض النتائج الرئيسية التي أسفرت عنها جولة المقابلات الأولى، ومن المتوقع  أن يصدر قريباً تقرير كامل يُلخِّص النتائج التي تمخَّضت عنها جولات المقابلات الثلاث.

مستقبل مُظلِم يواجه معظم الشركات ولا يمنحها أي فرصة للتعافي

حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أظهرت النتائج أن واحدةً تقريباً من كل خمس شركات شملها المسح قد تأكَّد إغلاقها أو يُفترض أنها أُغلقت إغلاقاً دائماً.

ومن الشركات التي شملها المسح، تعتقد واحدةٌ من كل أربع شركات أن تحقيق التعافي غير ممكن. وتوقعت تلك الشركات أن تتأخَّر في السداد وتتخلف عن الوفاء بالديون المستحقة عليها في الأشهر الثلاثة القادمة، وهو ما يعني أن فرصة بقائها تقل عن سبعة أشهر بالنظر إلى التكاليف الحالية. بعبارة أخرى، فإنه وفقاً للتوقعات التي أبدتها الشركات، من المحتمل أن تصفي واحدة من كل أربع شركات أعمالها بحلول يونيو/حزيران 2021. ومن المتوقع أن يتم التحقق من هذه النتيجة في الجولتين الثانية والثالثة من المقابلات مع الشركات.

التأثير الواقع على الوظائف

لقد أدت الأزمات المتعددة إلى تفاقم البطالة، حيث أن واحداً من كل خمسة عمال فقد وظيفته منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019. وعواقب فقدان الوظيفة وعدم العمل مروعة بسبب غياب إعانات البطالة ومحدودية شبكات الأمان الاجتماعي المتاحة للعمال المُسرَّحين من أعمالهم في لبنان.

وتظهر البيانات التي أسفر عنها المسح أن 61% من الشركات العاملة في الاقتصاد الرسمي التي شملها المسح قد خفضت عدد العمال الدائمين لديها بنسبة 43% في المتوسط (انظر الجدول 1). كما تجدر الإشارة إلى أن نسبةً أقل من الشركات الصغيرة قلَّصت عدد موظفيها بالمقارنة مع الشركات المتوسطة والأكبر. وقد يكون السبب في هذا هو اختلاف طبيعة العلاقة بين المدراء والعمال، أو حقيقة أن الشركات الصغيرة ربما لديها مرونة أقل في تقليص الإنتاج. ومن المتوقع أن تكون الآثار أشد وأسوأ على الشركات العاملة في الاقتصاد غير الرسمي والشركات الرسمية متناهية الصغر التي لم يشملها المسح.

الجدول 1: التغيرات في الوظائف بحسب حجم الشركة لكل الشركات التي شملها المسح، أكتوبر/تشرين الأول 2019 وأكتوبر/تشرين الأول 2020

علاوةً على ذلك، من المرجح أن تؤدي الأزمات المتعددة إلى ضياع التحسن الذي تم تسجيله في مجال التمكين الاقتصادي للمرأة، إذ يزيد صافي فقدان الوظائف بين النساء في المتوسط 5 نقاط مئوية عن مثيله بين الرجال (انظر الجدول 2). وهذا في سياق تمثل فيه النساء نسبة تقل عن ثلث العدد الإجمالي للعاملين بدوام كامل في الشركات التي شملها المسح. وقد تؤثِّر الأزمات على إمكانية حصول النساء على فرص اقتصادية بطرق مختلفة. وعلى سبيل المثال، فقد جعل إغلاق المدارس بسبب الجائحة من الصعب على النساء التوفيق بين مسؤولياتهن الخاصة بالعمل والرعاية. كما تأثرت ريادة أعمال النساء أيضاً في عام 2020، حيث اضطرت مؤسسات أعمال كثيرة مملوكة لنساء أن تغلق أبوابها بسبب الجائحة.


الجدول 2: متوسط التغيرات في عدد الموظفين بدوام كامل بحسب نوع الجنس لكل الشركات التي شملها  المسح، أكتوبر/تشرين الأول 2019 وأكتوبر/تشرين الأول 2020

الجدول 2: متوسط التغيرات في عدد الموظفين بدوام كامل بحسب نوع الجنس لكل الشركات التي شملها  المسح
المصدر: حسابات خبراء البنك الدولي بناء على بيانات من مسح المتابعة لمؤسسات الأعمال في 2020.

*تشير النسبة المئوية السلبية إلى انخفاض عدد الموظفين.المصدر: حسابات خبراء البنك الدولي بناء على بيانات من مسح المتابعة لمؤسسات الأعمال في 2020.

ولجأت شركات قليلة نسبياً إلى تدابير أخرى لتعديل أوضاع العمال مثل خفض الرواتب أو المزايا أو ساعات العمل. فقد خفَّضت 13% من الشركات الرواتب بنحو 45% فيما زادت 29% من الشركات رواتب موظفيها بنحو 40%. ويمكن تفسير هذا برغبة أرباب العمل في التعويض عن الانخفاض السريع في قيمة العملة المحلية ومن ثم نقصان قيمة الرواتب. وكانت هذه الزيادات الاسمية سلبية بالقيمة الحقيقية في ضوء تجاوز معدل التضخم 100% خلال هذه الفترة. وبسبب هبوط العملة اللبنانية بشكل حاد، هوى الحد الأدنى للأجور البالغ 675 ألف ليرة لبنانية (ما يعادل 450 دولاراً وفق سعر الصرف الرسمي) من حيث القيمة إلى ما يعادل 34 دولاراً حسب سعر صرف السوق السوداء والبالغ 20 ألف ليرة للدولار في أغسطس/آب 2021.

ولكن ماذا بعد

على الرغم من الأوضاع المروعة في لبنان، فإن نتائج المسح تشير إلى أن بعض الشركات -وليس الكثير منها- قد شهدت تحسناً في الأداء إلى حد ما وخلقت وظائف جديدة (انظر الجدول 1). إن لبنان من أكثر البلدان استيراداً في العالم من حيث صافي الواردات، ومع أزمة العملة اضُطر الناس إلى التحول إلى استخدام منتجات مصنوعة محلياً. وقد أتاح هذا للشركات - العاملة بشكل أساسي في قطاع الأغذية والصناعات الغذائية- توسيع إنتاجها أو تنويعه كبديل عن الصادرات، وإلى زيادة فرص التوظيف.

وسيتابع فريق البنك الدولي بحوثه بإجراء مسحين آخرين لتتبُّع كيف استمرت الشركات في التكيف مع هذه الأوضاع. ومن المتوقع أن تكون الجولة التالية من النتائج متاحة في أكتوبر/تشرين الأول 2021 والجولة الثالثة بنهاية عام 2021. وسنقوم أيضاً بتحليل الشواهد والأدلة لنرى كيف يمكن لل

بقلم

انضم إلى النقاش