نشر في أصوات

لا مجال للتراجع: التوسع في التكنولوجيا الزراعية مرهون بتوافر القوى العاملة

الصفحة متوفرة باللغة:
لا مجال للتراجع: التوسع في التكنولوجيا الزراعية مرهون بتوافر القوى العاملة

عندما يخطئ نظام للذكاء الاصطناعي في تحديد آفة في حقل أحد صغار المزارعين، فلا يوجد زر "للتراجع". فتوصية واحدة - إن لم يتم التحقق من صحتها في ضوء الظروف المحلية أو تصحيحها سريعاً - قد تكلّف ذلك المُزارِع دخلَ موسمٍ كامل، وفي بعض الحالات مصدر غذاء الأسرة بأكملها. وهذه الحقيقة تميز التكنولوجيا الزراعية عن التطبيقات الاستهلاكية أو الترفيهية، ولهذا يُعد التوسع في تطبيق التكنولوجيا الزراعية في جوهره تحدياً للقوى العاملة، وليس تحدياً للبرمجيات.

 

ذكاء أوفر تكلفة ومخاطر مرتفعة

يسهم الذكاء الاصطناعي في خفض تكلفة المعرفة والخبرة الزراعية بشكل كبير، إذ بات قادراً على تشخيص الآفات، والتنبؤ بإنتاجية المحاصيل، وتقييم جودتها - وهي مهام كانت تتطلب في السابق خبراء متخصصين بتكلفة باهظة - مقابل تكلفة بسيطة. لكن انخفاض تكلفة الذكاء الاصطناعي في مجال الزراعة لا يعني سهولة اعتماده، بل إنه يرفع من قيمة "العنصر البشري"؛ وهم الأشخاص المنوط بهم التحقق من صحة مخرجاته، ومواءمة توصياته مع القيود التي يواجهها المزارع على أرض الواقع، والحفاظ على مستوى الثقة طوال الأشهر الممتدة بين الزرع والحصاد.

إن حجم الفجوة لافت للنظر؛ فقد خلصت دراسة حديثة أعدتها شركة برايس ووترهاوس كوبرز بالاشتراك مع اتحاد غرف التجارة والصناعة الهندية إلى أنه على الرغم من وجود 3 آلاف مشروع للتكنولوجيا الزراعية في الهند، فإن الحلول لا تزال تصل إلى أقل من 15 مليون مزارع من أصل 146 مليون مزارع في البلاد. ومن منظور السوق، يعني هذا أن التكنولوجيا الزراعية لم تستحوذ سوى على 1% فقط من فرصةٍ تقدر قيمتها بنحو 24 مليار دولار. وتخلص الدراسة إلى أن انتشار هذه التكنولوجيا مقيد بقدرات التوزيع. بعبارة أخرى، فإن الوظائف والمهارات اللازمة لتحويل التكنولوجيا الزراعية إلى خدمات فعلية، وهي الوظائف والمهارات التي توفرها هذه التكنولوجيا بدورها وتدعم استدامتها، هي العقبة الحقيقية.

الوظائف التي لا تحظى بالاهتمام الكافي

تسهم حلول التكنولوجيا الزراعية، ومن بينها الخدمات الاستشارية المعزَّزة بالذكاء الاصطناعي، والميكنة المشتركة، والتكنولوجيا المالية، وأنظمة تتبع المنتجات، وأنظمة الإنذار المبكر - في خلق الطلب على أدوار خدمية تمثل حلقة الوصل بين منصة التكنولوجيا الزراعية والمزرعة، ومنهم الوسطاء الموثوقون الذين يقومون بمهمة ضم المزارعين والمحافظة على ثقتهم عبر المواسم المختلفة، ومشغلو المعدات الذين يضمنون استمرارية تشغيل الأجهزة، ومشرفو البيانات الذين يكفلون جودة البيانات وصحة الموافقات عليها.

وهذه ليست "مهارات رقمية" عامة، بل هي أدوار محددة بوضوح، ولها مؤشرات أداء قابلة للقياس، مثل موثوقية تقديم الخدمة، وعدد المعاملات المنجزة، ومدى كفاءة تشغيل المعدات الزراعية. وهذا هو ما يبرر جدوى الاستثمار في هذه المهارات.

"الضمانات" والأسباب التي تجعل منها الحلقة المفقودة

من المنطقي أن يطلب المزارعون ضماناتٍ قبل اعتماد أي تكنولوجيا جديدة. وهناك خمسة أسئلة الإجابة عليها تحدد مدى نجاح التكنولوجيا الزراعية في كسب ثقته:

  • هل ستنجح هذه التكنولوجيا هذا الأسبوع مع محصولي وفي حقلي؟
  • وإذا أخفقت، فمن سيتولى إصلاحها ويتحمل تكلفتها؟
  • ما الذي يجب علي فعله اليوم في ضوء ما لدىّ من موارد مالية وقوة عاملة؟
  • هل هذه التكنولوجيا ملائمة للمناخ المحلي وممارساتي الزراعية؟
  • من يستطيع أن يشرحها لي بلغتي؟

لا يندرج أيٌّ من هذه الأسئلة ضمن خصائص المنتج نفسه؛ فهي قدرات بشرية في المقام الأول. ولهذا السبب، تعتمد التكنولوجيا الزراعية الموثوقة على أربع مجموعات وظيفية أساسية.

  • الوسطاء الرقميون - وهم الوجه الموثوق به في المرحلة الأخيرة، والمسؤولون عن تقديم العروض التوضيحية، والتعامل مع الشكاوى، وتحويل التوصيات المستمدة من الأقمار الصناعية إلى قرارات عملية تنفذ خلال الأسبوع.
  • المشغلون الفنيون - مشغلو المُسيَّرات، والميكانيكيون، والمشرفون في مراكز المعدات المشتركة الذين يحافظون على استمرارية تشغيل الأجهزة وضمان تحقيق أقصى استفادة من مواسم الزراعة.
  • المهنيون مزدوجو الخبرة - المهندسون الزراعيون الذين يتقنون العمل في الظروف الميدانية واستخدام التطبيقات والأدوات الرقمية في آن واحد، حيث يتولون اكتشاف التوصيات الخاطئة قبل انتشارها واستفحال أثرها على نطاق واسع (ويشمل ذلك المساعدين البيطريين - العاملين في مجال صحة الحيوان في المجتمعات المحلية الذين يفسرون التنبيهات المتعلقة بالأمراض بما يتناسب مع الظروف المحلية).
  • مشرفو البيانات - هم الخبراء الذين يضمنون جودة البيانات والخصوصية والموافقات وإمكانية التدقيق. فعندما تُستخدم بيانات المزارع في المعاملات المالية أو لضمان الامتثال، لابد من وجود من يضمن دقة هذه البيانات وموثوقية التصريح باستخدامها.

إن السؤال الأول لا يتعلق بنوع مسار التدريب الذي يجب اعتماده، بل بتحديد موضع العائق الحقيقي في المنظومة، سواء كان دوراً وظيفياً مفقوداً، أو خللاً في تسلسل التنفيذ، أو فجوة مؤسسية لا يمكن لأي برنامج تدريبي سدها بمفرده. وعندما تتوفر هذه الأدوار وتدعمها البنية المؤسسية المحيطة بها، تصبح التكنولوجيا خدمة موثوقة. أما في عدم وجودها، فتظل التكنولوجيا عالقة في المرحلة التجريبية.

 

الحلقة الحميدة

العلاقة هنا تبادلية، وهذا هو جوهر المسألة. فلا يمكن للتكنولوجيا الزراعية أن تتوسع من دون وجود كوادر ماهرة لتشغيل خدماتها وصيانتها وتقديم الضمانات اللازمة لها. وفي المقابل، لا يمكن لبرامج تنمية المهارات تبرير الاستثمار فيها دون الوظائف والدخل الذي توفره التكنولوجيا الزراعية.

وتوفر منصات التكنولوجيا الزراعية مؤشرات الطلب التي تفتقر إليها أنظمة التدريب الحالية، مثل: الأدوار المحددة، ونماذج الكفاءات والمهارات الواضحة، وجهات التوظيف المعروفة. كما أنها توفر بيانات عن الأداء تُترجم إلى قدرة على الكسب، لا إلى شهادات ورقية فحسب. والنتيجة هي توفير فرص عمل في المناطق الريفية تُبقي المواهب قريبة من مجتمعاتها.


الهند تُقدِّم مثالين عمليين على هذه الحلقة الحميدة:

  • تجمع مبادرة نامو درون ديدي (Namo Drone Didi) بين المُسيَّرات وتدريب المشغلين والصيانة من خلال مجموعات المساعدة الذاتية النسائية، محوّلةً بذلك مجرد "جهاز" إلى خدمة مجتمعية. فمن دون المُسيَّرة، لا يوجد دور "مقدم خدمة الرش الدقيق للمحاصيل". ومن دون مشغلين مدربين، تظل المُسيَّرة دون استخدام. فالتكنولوجيا هي التي توفر الوظائف، والوظائف هي التي تجعل التكنولوجيا تعمل بفاعلية.
  • عمل المشروع الوطني للتعليم العالي الزراعي (NAHEP) على تحديث الجامعات الزراعية والتوسع في المناهج الدراسية ذات الصلة بالقطاع في مجالاتٍ مثل الذكاء الاصطناعي، والزراعة الدقيقة، وتحليلات الصناعات الزراعية، مما أسهم في تعزيز إعداد الكفاءات الجاهزة لسوق العمل التي يتطلبها اقتصاد خدمات التكنولوجيا الزراعية.

الخلاصة

في عصر الذكاء الاصطناعي، لا يُقاس النجاح بحجم التكنولوجيا التي تصل إلى المَزَارِع، بل بمدى ما تُحقّقه الزراعة من إنتاجية أعلى، وأمان أكبر، وربحية أفضل، وأيضاً بقدرة المجتمعات المحلية المحيطة بها على الحصول على الوظائف الماهرة التي تحتاج إليها.

وتتضمن مبادرة تحويل القطاع الزراعي، وهي مبادرة أطلقتها مجموعة البنك الدولي لمساعدة 300 مليون مزارع من أصحاب الحيازات الصغيرة على تحويل محاصيلهم إلى دخل أعلى بحلول عام 2030، طموحاتٍ كبيرة فيما يتعلق بالتكنولوجيا، على النحو الذي نوقش في إحدى فعاليات اجتماعات الربيع التي عٌقِدت مؤخراً. وسيعتمد تعميم هذه التكنولوجيا على نطاق واسع على ما إذا كان سيتم التعامل مع المهارات كبنية تحتية أساسية، لا مجرد فكرة ثانوية.


انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000