الاستفادة من ثورة التعلُّم الآلي في بناء مساكن قادرة على الصمود

|

الصفحة متوفرة باللغة



خوارزميات التعلُّم الآلي ممتازة في الإجابة عن الأسئلة ب"نعم" أو "لا". على سبيل المثال، تستطيع إجراء مسح لمجموعات بيانات ضخمة، وتبلغنا على وجه الدقة: هل تبدو هذه المعاملة ببطاقة الائتمان مزورة أم لا؟ هل توجد قطة في هذه الصورة الفوتوغرافية؟

ولكن الأمر لا يقتصر على الأسئلة البسيطة فحسب – إذ يمكنها أيضا الإجابة عن الأسئلة الدقيقة والمعقدة.

واليوم، تستطيع خوارزميات التعلم الآلي رصد أكثر من 100 صنف من الأورام السرطانية على نحو يعول عليها بدرجة أفضل من عين إنسان مُحنَّك. وبالنظر إلى هذه الدقة الرائعة بدأنا نتساءل: ما الذي يمكن للتعلُّم الآلي إبلاغنا به بشأن المكان الذي يعيش فيه السكان؟ في المدن التي تتسع بمعدلات هائلة، وتتعرض لمخاطر وقوع كوارث طبيعية هل يمكنه تحذيرنا من أن جدار منزل أسرة قد ينهار أثناء زلزال أو أن سطح منزل قد يتطاير أثناء إعصار؟

في أغلب الأحيان، نهب للتحرُّك بعد أن تقع الكارثة، ونتجنب الاستثمار في تدابير تخفيف المخاطر مسبقا. وكما قال الجراح الشهير دينيس بوركيت ذات مرة: "إذا كان الناس يسقطون باستمرار من حافة منحدر سحيق، فإن أمامك خيارين: إمَّا أن تضع سيارات إسعاف أسفل المنحدر، أو أن تبني سياجا في قمة المنحدر." وبمساعدة التعلُّم الآلي، أصبحنا الآن في وضع أفضل لبناء ذلك السياج على قمة المنحدر.

وتذهب التقديرات إلى أن كل دولار يُنفَق على تدابير تخفيف المخاطر، يؤدي إلى توفير أربعة دولارات من تكاليف التعافي وإعادة الإعمار. وعلى الرغم من هذا الوفر في التكاليف، تُفضِّل الحكومات إرسال سيارات الإسعاف على بناء السياج. وفي الفترة من 1991 إلى 2010، تم تخصيص نسبة ضئيلة (12.7%) من الإنفاق العالمي المتصل بالكوارث (3.3 تريليون دولار) على تقليص المخاطر- وعلى النقيض من ذلك، تم إنفاق 87.3% على الاستجابة في حالات الطوارئ، وإعادة الإعمار، وإعادة التأهيل. ونالت المنازل المُتضررة النصيب الأكبر من هذه النفقات.

ومن منظور هندسي، تستند تدابير الوقاية اللازمة لتدعيم هذه المنازل إلى أسس قوية. وثمة حلول بسيطة يمكنها تقليص خطر الانهيار بمقدار النصف مثل إضافة كمرات دائرية متصلة، أو قواطع داخلية إضافية، و/أو بلاطات خرسانية بين الطوابق. فلماذا لا يجري تنفيذ المزيد من هذه التدابير؟

وكان تحديد المنازل التي تُعَد مرشَّحا جيدا لإجراء مثل هذا التحصين يستغرق أشهرا ويحتاج إلى عشرات المسَّاحين. وكان الاعتماد على الأساليب اليدوية في محاولة تحديد هذه المباني عالية المخاطر في عدد متزايد من المساكن غير المطابقة للمواصفات والمعايير السليمة أمر باهظ التكاليف.

ولكن في الوقت الحالي، ومن خلال الصور والتعلُّم الآلي يمكن إنجاز هذا العمل في بضعة أسابيع. وباستخدام كاميرا مُركَّبة على سيارة، وطائرة بدون طيار، وحاسوب محمول، وخوارزميات متقدمة أصبح من الممكن قياس ارتفاع كل مبنى، وتقدير المواد التي بني بها السقف، وجمع معلومات عن واجهة المبنى. ويساعد هذا النهج على "مسح" حي سكني لإعداد قاعدة بيانات غنية ومفصلة يمكن استخدامها في البحث لتحديد مختلف أنواع المنازل عالية المخاطر.

لننظر إلى الزلازل...

حينما ضرب زلزال قوته 7.6 درجة منطقة جورخا في نيبال، تطلَّبت جهود إعادة البناء والتعافي إنفاق ما يُقدَّر بنحو 6695 مليون دولار، وكان نحو نصف تلك التكاليف يتعلق بالمساكن (3278 مليون دولار). ماذا لو أننا استطعنا تحديد هذه المباني وتحصينها مُقدَّما؟

في غواتيمالا سيتي، استُخدِمت الصور والخوارزميات في تحديد المباني ذات الطوابق الضعيفة – المباني التي تتألف من طابقين اثنين على الأقل والطابق الأول فيها ضعيف هيكليا. وبعد مسح شمل 4967 منزلا، رصد الحاسوب 503 طوابق ضعيفة محتملة وكانت نسبة دقة تقديراته 85%. وكما أن الطبيب يستخدم التعلُّم الآلي في تحديد الإصابة بالسرطان، يعتمد مهندسو الإنشاءات على التعليم الآلي في تحديد المنازل التي يشتبه بأنها تضم "طوابق ضعيفة" وتحتاج إلى مزيد من المعاينة.
سارة إليزابيث أنتوس / البنك الدولي
في فيلانيفا، غواتيمالا، يجري معاينة النوافذ ومرابض السيارات باستخدام التعلُّم الآلي. (بعدسة: سارة إليزابيث أنتوس / البنك الدولي)
لننظر إلى الأعاصير...


حينما ضرب الإعصار ماريا الدومينيكا العام الماضي، أُصيب 90% من منازلها بأضرار، وتطلبت أعمال الترميم وإعادة البناء إنفاق ما يُقدَّر بنحو 519.75 مليون دولار (38% من الموازنة الإجمالية). وكان تمويل هذه الجهود يعادل 89% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد. ولكن ماذا لو أننا كنا نعرف قبل وقوع الإعصار أي المنازل من المحتمل أن يحتاج إلى تحصين إضافي وما هي قيمة إحلالها؟

ولإثبات مدى سهولة تفادي مثل هذه التكاليف، استخدمنا طائرات بلا طيار والتعلُّم الآلي في سانت لوسيا المعرضة للأعاصير. ثم أجرينا حصرا جغرافيا مكانيا غطَّى أكثر من عشرة آلاف مبنى وشمل شكلها ومواد بنائها وحالة أسطحها لتقدير الأضرار المحتملة في المساكن والخسائر إذا وقع إعصار من الفئة الخامسة. ومن خلال تجميع المعلومات بشكل تلقائي على مستوى المنازل تتاح للحكومات وأصحاب المنازل والقطاع الخاص المعلومات الأساسية التي يحتاجون إليها لاتخاذ القرارات.

وتتجاوز جدوى هذا النهج تخفيف مخاطر الكوارث. في بوغوتا، بكولومبيا، بُني نموذج لربط الخصائص المستمدة من التعلُّم الألي بقيم العقارات، وتقدير النمو الرأسي لأكثر من 15 ألف منزل. ومن خلال ربط الانبعاثات الكربونية لهذه المنازل بالإحصاء السكاني ومعلومات عن حيازة الأراضي يمكننا تقدير حجم الحاجة إلى إعادة التوطين، أو تحسين المنازل أو إعادة تنظيم أوضاعها.
سارة إليزابيث أنتوس / البنك الدولي
في بوغوتا، كولومبيا، التُقطت صور عرْض الشارع من جوجل بشكل دوري يكفي لإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد. وتُمثِّل الصناديق الأصغر المكان الذي وضعت فيه الكاميرا. (بعدسة: سارة إليزابيث أنتوس / البنك الدولي

وقد يساعد استخدام منافع التعلُّم الآلي أيضا في تقييمات ما بعد الكارثة للأضرار والاحتياجات. ولو استطعنا توثيق ارتفاع كل مبنى والمواد التي بني بها وشكله، فإنه يمكننا حينئذ العودة بعد الكارثة بمجسات مماثلة لتسجيل التغيرات – أكوام الركام، على سبيل المثال، أو عدد المنازل التي فقدت أسطحها.
وأخيرا، تستطيع خوارزميات التعلُم الآلي رصد كيفية استخدام مبنى من المباني في نشاط تجاري وليس للإسكان فحسب. وفي غواتيمالا، وضعنا طريقة خوارزمية لتحديد شعارات تشير إلى منشآت الأعمال في الحي.

وتساعد الخوارزميات المُدرَّبة بالفعل على إحداث تحوُّل إلى الأفضل في التعليم والصناعة وقطاع تجارة التجزئة والرعاية الصحية. لقد حان الوقت لكي نبدأ بشكل منهجي في الاستفادة من قدرات التعلُّم الآلي في مشروعات الإسكان. وبدأ البرنامج العالمي لمساكن قادرة على الصمود التابع للبنك الدولي في ربط الخوارزميات المعقدة بتصميمات بناء بسيطة لجعل المنازل أكثر أمنا وأقدر على مجابهة المخاطر الطبيعية وتغير المناخ.

وهدفنا في نهاية المطاف هو مساعدة المدن والمجتمعات في البلدان النامية لا على أن تعيد البناء بشكل أفضل فحسب، وإنما أيضا "أن تبني من البداية بشكل أفضل."

انضم إلى النقاش