نشر في أصوات

التجارة في ظل مناخ جديد: سياسات التخفيف ودورها في إعادة تشكيل ديناميكيات التجارة العالمية

الصفحة متوفرة باللغة:
Polluted vs eco area. | © shutterstock.com Polluted vs eco area. | © shutterstock.com

في مواجهة الطابع المُلح للتحدي الذي يمثله تغير المناخ، تتبنى الكثير من البلدان السياسات المناسبة للتصدي له، غير أن هذه السياسات لا تعيد تشكيل مشهد تدفقات التجارة العالمية فحسب، بل تخاطر أيضاً بحدوث المزيد من التجزؤ وعدم المساواة . ويتعلق أحد التحديات بالعواقب على البلدان منخفضة الدخل التي تعتمد على النمو الذي تقوده الصادرات، لا سيما مؤسسات الأعمال الصغيرة ومتوسطة الحجم في سلاسل الإمداد العالمية. وللتغلب على هذا التحدي وتشجيع الانتقال العادل والشامل للجميع إلى عالم أكثر اخضراراً ومراعاة للبيئة، فإن الأمر يتطلب اعتماد سياسات جريئة تعزز التنسيق وتحفز الشركات على الحد من الانبعاثات الكربونية .

 

تأثير سياسات التخفيف الأخيرة من آثار تغير المناخ على التزامات خفض الانبعاثات

إن العدد الكبير من سياسات التخفيف من آثار تغير المناخ - بما في ذلك أهداف الوصول بصافي الانبعاثات إلى الصفر، والتزامات العناية الواجبة لسلسلة الإمداد، والدعم الأخضر - يعيد تشكيل تدفقات التجارة العالمية بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، تُعاقبُ آليةُ الاتحاد الأوروبي لتعديل حدود الكربون الصادراتِ ذات المحتوى الكربوني المرتفع إلى الاتحاد الأوروبي لتشجيع الإنتاج الأنظف والوفاء بالطموحات المناخية للاتحاد. وسوف يتطلب الأمر التوجيهي للاتحاد الأوروبي بشأن الإبلاغ عن استدامة الشركات أن تقوم نحو 50,000 شركة كبيرة ومنشأة أعمال صغيرة ومتوسطة مسجلة لدى الاتحاد الأوروبي بالإبلاغ عن تأثير عملها على الناحية البيئية والاجتماعية، بما فيها سلاسل الإمداد الخاصة بها. وتستخدم عدة بلدان الدعم الأخضر على حساب المخاطرة بتشويه قدرة الشركات التي تنتج منتجات خضراء من البلدان الأخرى على النفاذ إلى أسواقها. وتمثل هذه السياسات نقطة تحول في مشهد التجارة العالمية.

 

إعادة تشكيل تدفقات التجارة العالمية: المخاطر التي تواجه منشآت الأعمال الصغيرة والمتوسطة والبلدان منخفضة الدخل

 من شأن التحول نحو تنظيم اجتماعي وبيئي أكثر إلزاماً أن يعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، التي تعد بالغة الأهمية للعمل الإنمائي وخلق فرص العمل. غير أن البلدان التي تخفق في الحد من الانبعاثات الكربونية من عمليات الإنتاج تخاطر بفقدان التجارة لصالح نظرائها الأكثر مراعاة للبيئة. وتظهر الأبحاث التي يجريها البنك الدولي أن سياسات التخفيف من آثار تغير المناخ يمكن أن تؤثر بشكل غير متناسب على البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، مما يؤدي إلى انخفاض حجم تجارتها مقارنة بالاقتصادات ذات الدخل المرتفع . وهذا الأمر يشكل تحدياً كبيراً للأمان الوظيفي في القطاعات المتأثرة.i

يُظهر مؤشر البنك الدولي الجديد للتعرض لآلية الاتحاد الأوروبي لتعديل حدود الكربون (الشكل 1) على سبيل المثال أن زيمبابوي هي البلد الأكثر عرضة لخطر تطبيقها، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى صادراتها الضخمة من السبائك الحديدية كثيفة الانبعاثات الكربونية إلى الاتحاد الأوروبي. وفي موزامبيق، يقع نحو 20% من صادرات البلاد ضمن إطار آلية الاتحاد الأوروبي لتعديل حدود الكربون، مما يؤثر على اقتصادها، خاصة مع توجيه 97% من صادراتها من الألومنيوم إلى بلدان الاتحاد الأوروبي.

المصدر: مالزفسكا، م.، وكيبليف، م.، وفيشر ك.، وجانغ، أ. (2023) كيف يمكن للبلدان النامية قياس التعرض لآلية الاتحاد الأوروبي لتعديل حدود الكربون. https://www.worldbank.org/en/data/interactive/2023/06/15/relative-cbam-exposure-index
ملحوظة: يقاس المؤشر النسبي للتعرض لآلية الاتحاد الأوروبي لتعديل حدود الكربون بضرب نسبة الصادرات في الفرق بين كثافة انبعاثات البلد المُصَدِّر ومتوسط كثافة الانبعاثات في بلدان الاتحاد الأوروبي لمنتج آلية الاتحاد لتعديل حدود الكربون، مقيساً بالسعر المفترض لآلية الاتحاد لتعديل حدود الكربون (100 دولار للطن). ويحدد هذا المؤشر البلدانَ التي لديها زيادة في انبعاثات الكربون مقارنة بمتوسطها في الاتحاد الأوروبي. ويشير اللون الأخضر في الشكل إلى متوسط أنظف من متوسط الاتحاد الأوروبي بينما يعبر اللون الأحمر عن كثافة أكبر في الكربون من متوسط الاتحاد الأوروبي. وبالنسبة لمؤشر التعرض النسبي لآلية الاتحاد الأوروبي لتعديل حدود الكربون، فإن الحد الأدنى هو صفر. ويشير المؤشر السلبي (الأخضر) إلى أن البلدان المُصَدِّرة النظيفة نسبياً قد تكتسب القدرة التنافسية في سوق الاتحاد الأوروبي، بينما يشير المؤشر الموجب (الأحمر) إلى البلدان التي قد تفقد القدرة التنافسية لصادراتها. انظر:  https://www.worldbank.org/en/topic/trade/brief/technical-note-for-the-cbam-exposure-index

 

التأثير غير المتناسب على منشآت الأعمال الصغيرة والمتوسطة: تحديات الامتثال ومخاطر الاستبعاد من سلاسل الإمداد العالمية

تتعرض الشركات متعددة الجنسيات لضغوط متزايدة من المستهلكين والمستثمرين والأجهزة التنظيمية لتعزيز قدرتها على تلبية متطلبات الاستدامة لمنتجاتها؛ ورغم أن هذا الامتثال يُعد تطوراً إيجابياً، إلا أنه يأتي مصحوباً بتكلفة لها وزنها . ووجدت دراسة مسحية حديثة أن 78% من الشركات متعددة الجنسيات سوف تقوم باستبعاد الموردين الذين يُعرضون خططها للتحول إلى الإنتاج منخفض الكربون للخطر بحلول عام 2025.

وتتحمل منشآت الأعمال الصغيرة والمتوسطة، لا سيما في البلدان النامية، عبئاً أكبر للامتثال بسبب مواردها المحدودة. ويمكن أن يؤدي عدم الامتثال لهذه المتطلبات إلى استبعادها من سلاسل الإمداد العالمية والتجارة. فعلى سبيل المثال، قد تعوق اللائحة التنظيمية الجديدة للاتحاد الأوروبي بشأن المنتجات التي لا تقوم على إزالة الغابات قدرة صغار المزارعين من منتجي الكاكاو والبن وزيت النخيل من بعض البلدان مثل كوت ديفوار وإثيوبيا وهندوراس على النفاذ إلى أسواق الاتحاد.

 

ما هي متطلبات التحول العادل والشامل للجميع إلى عالم أكثر اخضراراً؟

لضمان التحول العادل والشامل للجميع إلى عالم أكثر اخضراراً، من الضروري تنفيذ سياسات منسقة بشكل أفضل مع متطلبات الامتثال التي يمكن الوفاء بها من أجل تحقيق التحول الأخضر لمؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة . ويمكن تحقيق ذلك من خلال الممارسات التجارية المراعية للبيئة، وإزالة الحواجز القائمة أمام التجارة في السلع والخدمات والتكنولوجيا التي تساعد على التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره.

بالإضافة إلى ذلك، يُعد التعاون العالمي ضرورياً لمواءمة اللوائح التنظيمية والدخول في اتفاقيات الاعتراف المتبادل لتجنب الازدواجية. ومن الضروري أيضاً تعزيز القدرات المؤسسية في مجال معايير انبعاثات الكربون وكيفية قياسها والتحقق منها، وذلك إلى جانب الامتثال للمبادرات الخاصة. ففي جورجيا، على سبيل المثال، تقوم أقل من نصف مؤسسات الأعمال برصد ومراقبة استهلاك الطاقة، بينما لا تقوم سوى 3% إلى 5% منها برصد ومراقبة الانبعاثات.

يعد حشد المساندة لتلبية الاحتياجات الفنية والمالية للشركات المتضررة من سياسات التخفيف أمراً بالغ الأهمية لضمان امتثالها وتعزيز الممارسات المستدامة وتسهيل اعتمادها للتكنولوجيا الخضراء. ففي جنوب شرق آسيا، على سبيل المثال، أقرت 79% من مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة التي شملها الاستقصاء بالحاجة إلى اكتساب مهارات فنية جديدة للتعامل بفعالية مع تغير المناخ والاستفادة من الفرص المتاحة للتخفيف من آثاره.

ومن الضروري زيادة التعاون العالمي والمساعدة الفنية والمالية لضمان استمرار وصول مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة إلى سلاسل القيمة العالمية ومشاركتها فيها . وهذا ما يسانده البنك الدولي في البرازيلو تركيا و كينيا.

 

‫النقاط الرئيسية‬‬‬

تتطلب التحديات التي تفرضها سياسات التخفيف من آثار تغير المناخ التعاملَ الحذر من أجل تحقيق انتقال عادل وشامل للجميع إلى عالم أكثر اخضراراً. وعن طريق تنفيذ سياسات جريئة تعزز التنسيق، وتحفز على الحد من الانبعاثات الكربونية، وتساند منشآت الأعمال الصغيرة والمتوسطة، يصبح بوسعنا تعزيز الممارسات المستدامة وتسهيل اعتماد التكنولوجيا الخضراء . ومن الضروري زيادة التعاون العالمي والمساعدة الفنية والمساندة المالية لضمان استمرار وصول منشآت الأعمال الصغيرة والمتوسطة إلى سلاسل القيمة العالمية ومشاركتها فيها، وحماية النمو الشامل في المستقبل. وبالعمل المشترك، يمكننا تجاوز هذه التحديات وخلق عالم أكثر استدامة وإنصافاً.

 


iبرينتون، وكيموتاي، ومالزفسكا، وإيرينا سيكورا، (قيد الإصدار). التجارة وحالة الطوارئ المناخية: أولويات السياسات بالنسبة للبلدان النامية..

بقلم

منى حداد

المديرة العالمية لشؤون التجارة والاستثمار والقدرة التنافسية

أنوك بيتشيفي

خبيرة اقتصادية، البنك الدولي

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000