ابتكار أدوات فعالة للتحويلات النقدية هو السبيل لتمكين المرأة في مرحلة إعادة بناء مجتمعات أكثر قدرة على التعافي

|

الصفحة متوفرة باللغة

الصورة
في إندونيسيا، يمارس الناس التباعد الاجتماعي عندما يتلقون المساعدة الاجتماعية. الصورة: © أحمد / البنك الدولي
في إندونيسيا، يمارس الناس التباعد الاجتماعي عندما يتلقون المساعدة الاجتماعية. الصورة: © أحمد / البنك الدولي

"سري" سيدة تبيع الطعام في ميدان عام في بلدتها في جاوة. كان نشاط عملها يسير على ما يرام، واعتقدت أنها وأطفالها الثلاثة على وشك الاستغناء عن دعم برنامج صحة الأسرة في إندونيسيا، وهو أحد برامج التحويلات النقدية المشروطة التي تستهدف الأسر الفقيرة التي تعول أطفالاً وأمهات حوامل، إلى حين ضربت جائحة فيروس كورونا البلاد. وأصبحت إعانة برنامج صحة الأسرة الآن مصدرَ الدعم الأساسي الذي تعول به سري عائلتها.

برامج المدفوعات الحكومية للأفراد يجب أن تعالج أوجه انعدام المساواة التي تواجهها المرأة

يشهد ملايين النساء مثل سري تهديدات محدقة بسبل كسبهن للعيش وسلامتهن وولايتهن على أنفسهن من جراء تفشي فيروس كورونا، حيث تتضاءل أمامهنّ فرص العمل، في حين تتزايد أعباء توفير الرعاية لأسرهنّ، ومن ثم تزداد مخاطر تعرضهن للعنف المنزلي. ومع وجود العديد من النساء العاملات في القطاع غير الرسمي، نجد أن هذه العوامل تتفاقم، إذ يحصل 95% من النساء في آسيا و89% منهنّ في أفريقيا جنوب الصحراء على دخل من خلال فرص العمل غير الرسمي، التي تتسم بانعدام الأمان وعدم كفاية سبل الحماية الاجتماعية، وهي ذات الفرص التي لا تدخل غالباً في حسابات الحكومات ووكالات المعونة. ولكي تعود برامج المدفوعات الحكومية للأفراد بالنفع على الفئات الأكثر احتياجاً، يجب عليها أن تعالج أوجه التفاوت وانعدام المساواة التي تواجهها المرأة في صرف هذه الإعانات بسبب الآثار الناجمة عن تفشي فيروس كورونا. 

قام ما لا يقل عن 200 بلد وإقليم بتوسيع نطاق تدابير الحماية الاجتماعية أو الأخذ بها في إجراءات مواجهة تفشي فيروس كورونا، لتصل الإعانات إلى ما يقرب من مليار مستفيد جديد منذ مارس/آذار 2020. ويستغل الكثيرون منصات المعاملات المالية عبر الهاتف المحمول لتوزيع المساعدات النقدية الطارئة على الأسر الفقيرة بأمان وسرعة. ومع ذلك، من المرجح أن تتضاءل فرص النساء ذوات الدخل المنخفض اللواتي يعشن في مناطق نائية ذات سبل اتصال محدود، أو اللواتي يفتقرن إلى ثقافة إجراء المعاملات الرقمية، في الحصول على هذه الإعانات.

لذا يمكن أن يساعد وضع المرأة في محور تصميم برامج المدفوعات الرقمية الحكومية للأفراد، البلدان على الحد من مخاطر الإقصاء وزيادة أثر هذه الإعانات على النساء والفتيات إلى أقصى حدٍ ممكن.  وقد عقد البنك الدولي مؤخراً شراكة مع مؤسسة بيل وميليندا غيتس، والشبكة المصرفية العالمية النسائية، والمجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء، وجامعة ستانفورد، من أجل نشر موجز يشرح سبب تعرض المرأة لخطر أكبر من الإقصاء في مرحلة التوسع السريع في التحويلات النقدية ورقمنتها، مع اقتراح خيارات في مجال السياسات العامة بغرض اشتمال النساء واحتوائهن إلى أقصى درجة ممكنة.

تحديد العوائق وإزالتها

يسلط الموجز الضوء على خمسة عوائق يتعين إزالتها: الفجوات فيما بين الجنسين في الوصول إلى الخدمات المالية، وامتلاك بطاقات الهوية، وامتلاك الهواتف المحمولة، وعدم إدراك وجود فجوات بين الجنسين، وعدم كفاية البيانات والتحليلات المرتبطة بالذكور والإناث.

وتتفاقم الفجوة المستمرة في إمكانية حصول المرأة على الخدمات المالية بفعل الممارسات التمييزية، وانعدام الثقة في المؤسسات المصرفية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف إنجاز المعاملات. ورغم انخفاض عدد الأشخاص الذين تم إقصاؤهم من القطاع المالي الرسمي من 2.5 مليار شخص في جميع أنحاء العالم في عام 2011 إلى 1.7 مليار في عام 2017، فإن النساء يشكلن بالفعل 56% من النسبة المتبقية.

كذلك تواجه النساء مزيجاً من القيود القانونية والاقتصادية والاجتماعية التي تسهم في توسيع الفجوة فيما بين الجنسين فيما يتعلق بمظلة الهوية الشخصية.  وقد أدى ذلك إلى وجود فجوة حقيقية بين الجنسين في امتلاك الهواتف المحمولة، حيث يحتاج أكثر من 150 بلداً إلى بطاقات هوية حكومية من أجل تسجيل شرائح الهاتف المحمول. فالهواتف المحمولة هي الأداة الأشيع استخداماً للتحويلات النقدية الرقمية. ومع ذلك، ففي البلدان النامية، يقل عدد النساء اللائي يملكن هاتفاً محمولاً عن الرجال بمقدار 165 مليون امرأة.

وعليه فإن من شأن برامج التحويلات النقدية التي تخفق في الوقوف على الفجوات بين الجنسين أن تُقصي النساء المحتاجات. فيما يؤدي عدم كفاية البيانات المصنفة حسب نوع الجنس، بما في ذلك تلك الواردة في نظم المعلومات، إلى فهم التفاوتات بين الجنسين بشكل محدود. وينبغي أن تسترشد برامج المدفوعات الرقمية الحكومية للأفراد بتحليل نوع الجنس الذي يوفِّر نظرة شاملة عن أدوار المرأة ومسؤولياتها واحتياجاتها ، وكيف تأثرت كل هذه العوامل من جراء تفشي فيروس كورونا.

الرقمنة والإيداع المباشر من أجل تصميم ناجح

تيريزا أم لخمسة أطفال تعيش في مقاطعة مونغوي، زامبيا، حيث تزرع الخضروات لبيعها في مجتمعها المحلي. في عام 2018، حصلت تيريزا على منحة مشروع تعليم الفتيات وتمكين المرأة وتعزيز سبل كسب العيش رقمياً في حساب فتحته لدى أحد مقدمي خدمات الدفع اختارته بنفسها. وبجانب التدريب الذي حصلت عليه، تمكنت تيريزا من توسيع حديقة الخضروات لديها. واليوم، أصبح نشاط عملها مربحاً للغاية لدرجة أنها شرعت في بناء منزل وافتتاح متجر بقالة.

وبالمثل في نيجيريا، قدم برنامج رفع مستوى الأسرة المعيشية تحويلات نقدية مباشرة إلى النساء الفقيرات اللواتي يقدمن الرعاية منذ عام 2016. وها هي أولوكيمي واحدة من تلك النساء، حيث يقول زوجها: "بفضل التحويلات النقدية التي حصلت عليها، استطاعت تطوير مشروع زراعتها للخروب المعدّ للتصدير على نحو مكنها من الوفاء بسد احتياجات أبنائها مع تحقيق فائض يؤمن لهم حياة كريمة. ومنذ اللحظة التي بدأت فيها تلقي التحويل النقدي، تمكنت من تحمل المسؤولية بمفردها".

يقدم الموجز إطاراً لتصميم برامج مدفوعات حكومية للأفراد تشمل الجميع وتحقق أطيب الأثر في تمكين المزيد من النساء أمثال تيريزا وأولوكيمي. ويقدم ثلاث توصيات:

  1. يمكن لرقمنة مدفوعات البرامج الحكومية للأفراد أن تُوسِّع نطاق برامج الحماية الاجتماعية بتكلفة منخفضة، وأن توفِّر للمجتمعات المحلية النائية إمكانية الاستفادة من الخدمات المالية بشكل أيسر. كما يمكن أن تساعد الرقمنة النساء على الحصول على المال من أماكن أقرب إلى المكان الذي يعشن ويعملن فيه. ويمكن للبلدان التي لديها برامج مدفوعات حكومية للأفراد ذات أنظمة رقمية أن تستفيد من شبكات وكلاء البيع بالتجزئة لتوسيع نطاق التغطية.
  2. إيداع المدفوعات مباشرة في حساب المرأة أمر حاسم الأهمية. فالتحويلات النقدية المباشرة التي تكون فيها المرأة هي المتلقية الافتراضية، مثلما يحدث في إندونيسيا ونيجيريا وزامبيا، توفر للنساء إمكانية وصول أكثر أماناً ومزيداً من التحكم في الأموال. فالمدفوعات المباشرة تخلق بوابة للمدخرات والائتمان وغيرها من الخدمات المالية. وعلاوة على ذلك، عندما تُعطى المرأة خيار انتقاء مقدم الخدمة، فإن من الأرجح أن تستخدم حسابها بنشاط وتستفيد من خدمات أخرى.
  3. يمكن تصميم برامج المدفوعات الحكومية للأفراد بذكاء وكفاءة لتوسيع نطاق الفرص المتاحة للمرأة، فمن شأن تبسيط إجراءات تقديم الطلبات إلى هذه البرامج والالتحاق بها، بما في ذلك نُظُم معالجة التظلمات، أن يحسن من حصول المرأة على مزايا البرامج. ومن الأهمية بمكان أن تؤدي البرامج إلى إيصال صوت المرأة وضمان قيامها بدور قيادي في صنع القرار.

وتوضح تجارب إندونيسيا ونيجيريا وزامبيا كيف يمكن للبلدان أن تقدم مساعدة مهمة لنساء مثل سري وتيريزا وأولوكيمي. وعليه فإن واضعي السياسات في جميع أنحاء العالم ملتزمون بإعادة بناء مجتمعات أكثر قدرة على التعافي، واتخاذ ما يلزم من تدابير تبدأ بتمكين المرأة. 


عقدت مجموعة البنك الدولي شراكة مع مؤسسة بيل وميليندا غيتس لإطلاق مبادرة مدفوعات البرامج الحكومية للأفراد (G2Px). ومن خلال الجمع بين الخبرات في مختلف القطاعات الحيوية، بما في ذلك الحماية الاجتماعية، والقطاع المالي، والحوكمة، والتنمية الرقمية، والمساواة بين الجنسين، وحماية البيانات، فإننا نهدف إلى تحسين مدفوعات البرامج الحكومية للأفراد على نطاق واسع. ومن خلال مبادرة G2Px، نساعد برامج الحماية الاجتماعية التي تقدمها الحكومات على معالجة الواقع الجديد الناشئ عن جائحة فيروس كورونا على وجه السرعة بطريقة شاملة وتمكينية.

للمزيد من المعلومات حول كيفية تصميم وتنفيذ واضعي السياسات لبرامج التحويلات النقدية الرقمية التي تشمل النساء وتمكنهن، يرجى الاطلاع على الموجز الجديد الصادر بعنوان "التحويلات النقدية الرقمية في زمن فيروس كورونا: فرص واعتبارات من أجل اشتمال المرأة وتمكينها". هذا الموجز هو نتاج عمل مشترك بين مجموعة البنك الدولي، ومؤسسة بيل وميليندا غيتس، والشبكة المصرفية العالمية النسائية، والمجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء، وجامعة ستانفورد.

بقلم

جريتا بول

الرئيس التنفيذي للمجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء (CGAP)

كارين كراون

المديرة العالمية لمجموعة البنك الدولي ، المساواة بين الجنسين

ماهيش أوتامشانداني

مدير الممارسات، الشمول المالي والبنية التحتية والوصول في الممارسات العالمية للتمويل والقدرة التنافسية والابتكار، مجموعة البنك الدولي

انضم إلى النقاش